‏إظهار الرسائل ذات التسميات المجموعة القصصية الأولى. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات المجموعة القصصية الأولى. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 6 أكتوبر 2008

تقديم الكتاب الأول

لجناب الأب الورع / القمص شاروبيم عبد الملك بانوب
كاهن كنيسة السيدة العذراء بالإسماعيلية

الابن المبارك / إيهاب موريس من خدام الشباب بكنيسة السيدة العذراء بالإسماعيلية. وهو يخوض أول تجربة فى التأليف.. نرجو له كل التوفيق والنجاح.

وهو يقدم لك عزيزى القارئ مجموعة من القصص القصيرة الهادفة التأملية. سهلة وسريعة الهضم..
يقرأها الكل فيجد فيها نفعاً واستفادة من خلال أسلوب شيق. يجعلك تنتقل من قصة إلى قصة.. حتى تنهى قراءتها وتطلب أكثر.. هل من مزيد؟

نرجو من الرب يسوع المسيح أن يجعل هذه القصص سبب بركة ونفع لكل من يقرأها.. وأن يعوض الابن إيهاب موريس عن مجهوده فى إعداد هذا الكتاب.. وأن تكون تلك المجموعة من القصص باكورة لكتب أخرى.

بصلوات ذات الطهر والشفاعات أم النور مريم وبصلوات أبينا الطوباوى البابا المعظم الأنبا شنوده الثالث وشريكه فى الخدمة الرسولية أبينا وأسقفنا البار الأنبا سارافيم.

القمص شاروبيم عبد الملك10 هاتور 1719 - 19/11/2002

ألف شكر يا سيدنا

(1) (كامل) زوج مثالى فى كل الجوانب. فهو يحافظ على مشاعر زوجته (منال).. ويرعى بيته الصغير بكل حب واهتمام ولا يدخر وسعاً لكى يجعل أفراد أسرته جميعاً فى سعادة دائمة.. خصوصاً طفلتيه (التوأم) سارة، وهبه.. فهو يعتبرهما أهم من حياته هو شخصياً.. ويبذل كل عزيز وغالى فى سبيل أن يرى على وجهيهما الصغير ابتسامة صغيرة.

(2) يعمل كامل - رغم صغر سنه - مدير إدارة فى إحدى الهيئات الحكومية، وله بـاع طويل فى تنظيم المؤتمرات واللقاءات التى كانت تتم فى إدارته وتحت إشرافه المباشر. لذا ذاع صيته فى كل أرجاء الوزارة لنشاطه وأفكاره المتجددة التى تنم عن شخصية ابتكاريه لها ثقلها فى المجتمع.

(3) عقب التعديل الوزارى الأخير تم الاستعداد لاستقبال الوزير الجديد والذى سيتسلم مقاليد الوزارة فى خلال عشرة أيام من حلفه اليمين الدستورية أمام السيد الرئيس. وذلك عقب افتتاحه للمبنى الجديد لإحدى فروع (إدارات) الوزارة..، وكان من المفروض أن تقيم الوزارة حفلاً فنياً عقب الافتتاح للترحيب بالوزير الجديد..، وتم الاتفاق من جانب الجميع بالإجماع على أن أنسب من يقوم بعملية التجهيز للافتتاح والحفل هو الأستاذ (كامل).

(4) تم إبلاغه بالأمر مما جعله يجلس إلى نفسه ويضع الاستراتيجية التى يتم العمل بها خلال الفترة من بدء التجهيز للعمل وحتى نهاية الأمر..
ولم ينس فى طيات ذلك أدق التفاصيل ليخرج العمل على الوجه الأكمل ووضعت تحت يديه التيسيرات كافة ومنح الصلاحيات اللازمة وتم إعداد فريق العمل واجتمع بهم فى إدارته وتحت متابعته وإشرافه المباشر وكانت النتيجة مشرفة.

(5) فى نهاية الحفل قام الوزير بتقديم الشكر الجزيل للقائمين على عملية استقباله والحفل المقام له.. وكان على رأسهم الأستاذ كامل الذى تقدم وصافح السيد الوزير نيابة عن أعضاء إدارته مرحبا بالسيد الوزير الذى اثنى على مجهوده فى بشاشة جعلت كامل يشعر بالفخر والزهو وتمنى لو رأته أسرته الصغيرة والكبيرة وأصدقاؤه وكل معارفه وسمعوا الإطراء من الوزير على مجهوده.

(6) عقب عودته لمنزله فى نفس اليوم كانت هناك رسالة فى انتظاره مضمونها أنه يجب عليه التوجه إلى الكنيسة لأبونا (إشعياء) فى أقرب فرصة، وذلك لحاجة الكنيسة إليه فى أحد الأمور التى سيعرفها عند لقائه مع أبونا، ولما كان من النادر جداً أن يتصل أبونا به من قبل فى منزله فقد شعر كامل بالضيق بعض الشئ وقرر أنه سيذهب باكراً ليستوضح الأمر.

(7) فى صباح اليوم التالى كان الأستاذ كامل يجلس أمام أبونا إشعياء فى مكتبه يخبره بالأمر.. أن الكنيسة فى حاجة إلى خبرة الأستاذ كامل فى مجال تنظيم المؤتمرات الهامة.. حيث أن الكنيسة تحتفل فى نهاية هذا الشهر بالعيد الأول لسيامة الأب الأسقف، ولذلك لابد من إعداد حفل يليق بنيافته وليستطع الجميع التعبير عن ما فى قلوبهم من حب له وأيضاً بهذه المناسبة سوف يقوم الأب الأسقف بافتتاح العيادة المتخصصة التابعة للكنيسة وبعض الأنشطة الأخرى مثل معرض منتجات شباب وشابات الكنيسة من المشغولات اليدوية وفصل تعليم اللغة القبطية ونادى الكنيسة بعد التجديدات والتوسعات وبهذه المناسبة ستقيم الإوبرشية لنيافته حفلاً كبيراً.. يحضره مجمع الآباء الكهنة بالإبروشية والخدام والشمامسة والشعب.. تقدم فيه كلمات الترحيب والكورالات المختلفة ولمَّا لم تكن للكنيسة الخبرة الكافية فى هذا الأمر ورغبة فى الحصول على أفضل نتيجة فلذلك تم الاتفاق على تكليف أحد أبناء الكنيسة من المتخصصين - الأستاذ كامل- لتنظيم والإشراف على هذا العمل.

(8) لم يرفض الأستاذ كامل هذا التكليف فهو شخص يحب عمله جداً وقد رأى أيضاً أنه من الجميل أن يراه الجميع متفوقاً فى الكنيسة كما فى العمل. وتخيل منظره السابق مع سيادة الوزير يصافحه ولكنه استبدله بصورة الأب الأسقف الذى لم تسنح له ظروف عمله أن يراه خلال العام السابق ولا مرة واحدة، وعموماً فإنها أيضاً فرصة للشهرة داخل الكنيسة.

(9)وكعادته جلس إلى أوراقه ليضع الخطة التى سيسير عليها العمل، وكعادته أيضاً اهتم بأدق التفاصيل ليخرج عمله على أكمل وجه. كان فى أثناء وضع خطته يضع نصب عينيه الأب الأسقف باعتباره صورة من أحد الوزراء الذين يقوم بإعداد حفلاتهم قبل ذلك مما دعاه إلى التدقيق بصورة كبيرة فى كيفية دخول الأب الأسقف للكنيسة، خط سيره أثناء التنقل فى الافتتاحات، الحفل ونظامه مراعياً فى ذلك كله أن لا يستطيع أحد الوصول للأب الأسقف حتى لا يتضايق ويرى أن التنظيم ينقص الحفل وتم له كل شئ كما أرد.

(10) وجاءت اللحظة التى كان ينتظرها الأستاذ كامل والتى كان سيرى فيها بوضوح مجهوداته وتعبه فى التنظيم وهى خروج سيدنا من قلايته ومروره على الأماكن المختلفة لافتتاحها ثم ذهابه للكنيسة لحضور الحفل
وكانت المفاجأة التى لم يتوقعها أبداً الأستاذ كامل فالأمور لم تسر على ما كان يرجوه، ولكن على النقيض تماماً من خطته المرسومة فإن الشباب والفتيان المنوط بهم القيام بعملية التنظيم ومنع اقتراب الشعب من سيدنا هم أول من تركوا أماكنهم لينالوا البركة من نيافته ومن ثم تقاطر حوله الأطفال والشباب والرجال والنساء وخرج الأمر من يد لجنة النظام.. التى نسيت تماماً الإرشادات والخطة الموضوعة من الأستاذ كامل.
فراح الأستاذ كامل فى ثورة غضبه لما لم ير أحد معه - يُبعد الناس من حول سيدنا. وهنا تلاقت عيناه الغاضبتان بنظره من عينى نيافته الهادئة والتى ينسكب منهما سلام عجيب فانطفأت فيه ثورة الغضب فى الحال وأومأ له فى هدوء أن يتركهم فلم يفعل شيئاً سوى ميطانية وقبَّل الصليب ويدى الأب الأسقف الذى مرَّ من أمامه يحيط به الجميع فى فرح وبشاشة وهو مازال يقف مكانه فى حالة من الذهول لسبب لا يعرفه.فكل تفكيره قد انقلب رأساً على عقب وسقطت فى نظره كل النظريات العالمية التى كان يطبقها فى إدارة الحفلات والمؤتمرات واللقاءات مع المسئولين الكبار.
فكل ذلك كان يشعر بقيمته قبل أن يلتقى بهذا الأب العجيب فى تصرفاته الذى أدخله فى حالة لم يشعر بها من قبل حالة جعلته أكثر صفاءً.. وقرر الأستاذ كامل أن لا يدع الفرصة تفوته.. وترك كل شئ.. حتى مهام متابعة عملية التنظيم وراح بتتبع الأب الأسقف أينما ذهب من بعيد بنظرات متعجبة مستفسرة فيها حباً وفيها حنيناً لا يعرف سببه.. رأى فى وجه هذا الأب ملامح لم يراها من قبل ولذلك فقد أراد لذاكرته أن تسجل كل كلمة وكل حركة وكل إيمائه ليستغلها فى تهدئة نفسه كلما تذكرها.

(11) كان الأب الأسقف يتنقل من مكان إلى مكان ومن حوله الآباء الكهنة والعديد من الشخصيات التى لها وزنها فى الكنيسة من شمامسة وخدام وإداريين ومسئولين ومثقفين وأكثر الكل كان هناك الكثير من الأطفال حوله فى كل مكان ومع ذلك لم يتضجر منهم، وكانت نظراته وهمساته ولمساته لهم تشعل فى قلوبهم التصاقاً أكثر وفى وسط كل هذا لم يكن الأستاذ كامل يرى أحداً آخر سوى سيدنا فقط.
كان فى الماضى القريب أكثر شئ يهمه رأى الناس وأما الآن فلم يعط الناس أدنى اهتمام لأنه رأى ما كان مخفى عنه..؟!

(12) انتهت الجولة الافتتاحية واتجه الجمع إلى الكنيسة واستعد خورس الشمامسة بالصلبان والآلات الموسيقية الجميلة واصطفوا لاستقبال نيافته وراحت تدوى الألحان الجميلة فى المكان تهز جنبات البيعة.. وشعر الأستاذ كامل شعوراً غريباً أحس ببدنه وقد اقشعر من مهابة الموقف وقال فى ذاته إن هذا أرهب من دخول الملوك.. وطغا على الموكب فيض من الشعور الروحى الذى ألهب قلبه وجعله من فرط فرحته تتساقط دموعه التى راح يخفيها ليس من الناس ، ولكن حتى لا تعطل عليه متابعة رؤية هذا الموكب العظيم..، وداخله إحساس مؤكد أن السيد الرب داخل المكان.. فشعر بحقارته ودونيته وندم على ما عاش من عمر خارج هذا المكان.

(13) بدأت فقرات الحفل الفقرة تلو الأخرى، وكان الأستاذ كامل فى تتبع شديد لما يجرى فى الحفل، وكان محور اهتمامه وتركيزه شئ واحد هو سيدنا فقد اتخذ مجلسه فى مقابلة حتى لا يضيع عليه التمتع بتلك الهيئة السماوية وراح يراقب عن كثب ولا أحد يدرى عنه شيئاً وعن ما يفعله فقد كان الجميع فى اندماج مع فقرات الحفل من كلمات للآباء وكلمات مدح وثناء وشعر وإطراء وكورالات تقدم الترانيم التى تمدح سيدنا دون أن يرى أى منهم ما رآه الأستاذ كامل.

(14) لقد أراد الأستاذ كامل أن يرى لا بعينى جسده ولكن بعين قلبه وإيمانه ما يدور حول الأب الأسقف الذى كان جالساً على كرسى الأسقفية فى وداعة تعلوه صورة السيد المسيح الراعى الصالح.
تابع نظرات عينيى سيدنا التى كان يرسلها فى أماكن خالية من الناس.. فرآه يرى أشياءً لا يستطيع أن يعبر عنها قلم ولا يقوى عقل بشرى ضعيف على إدراكها. * من الواقف أمامى ربى وإلهى ؟ كيف يارب تقف أمامى وأنا جالس هنا..
+ أنا معك.. وأنا من أجلستك هنا.. تشدد بىَّ ومن هى الملكة عن يمينه فى بهاء سوى والدته العذراء البتول مريم.. اذكرينى يا أمى أمام ابنك ربى وإلهى ليقوينى المسيح.
+ لا تخف الرب معك. وأنا أصلى لك.* ومن هو ذاك صاحب البهاء الواقف أمامى إنه أبى القديس مرقس الرسول الكاروز * أعطنى يا أبى من روحك لأكمل رسالتك الكرازية
+ الرب يبارك خدمتك . أنا أذكرك دائماً * ومن ذلك البهى الطلعة إلاك يا أمير الشهداء جورجيوس 0 بارك علىَّ يا أبى وأعطنى من شجاعتك للشهادة للحق.
+ ربى وإلهى يعطيك كما أعطنى وأنا أصلى لك.* ومن أنتِ أيتها الملتحفة بالبهاء والضياء الروحانى * أخبرينى يا عروس المسيح من أنت؟
+ أنا أميرة الشهيدات مارينا * تبارك الرب إلهك يا مارينا الشهيدة يا من غلبت الشيطان وسحقت المعاند اطلبى من أجلى أمام الرب.
+ الرب معك يرعاك وينصرك على المعاند يا ابن المسيح * وأنتم يا آبائى أقطاب الرهبنة كيف لا أعرفكم اذكرونى فى صلواتكم يا آبائى ليعطينى المسيح الرب قوة.. ويعين ضعفى.. اذكرنى فى صلاتك يا أبى الأنبا أنطونيوس وأنت يا أنبا بولا وأنت يا أبى القديس أرسانيوس ويا أبى موسى وأبويَّا مكسيموس ودوماديوس ويا آبائى الثلاث مقارات القديسين، وكل من معكم من الرهبان أبنائكم ومن معكم من الشهداء والشهيدات والصديقين الأطهار اذكرونى جميعكم فى الصلاة أمام العرش الإلهى ليعيننى الرب.
+ الرب معك. ويعطيك كل السلام وسلام لك.

(15) كان الأستاذ كامل يرى ويسمع كل تلك الأشياء الجميلة ليس بعينيه البشريتين، ولكن بإحساسه الذى تنقى من كل هموم العالم ومشاكله وأتعابه الباطلة.. وسبح فى جو الروحانية هذا وهو مندهش تماماً. كيف لا يشعر الناس مثلما يشعر هو.
كانت كل التصرفات والنظرات التى لسيدنا تثبت أنه يرى ويسمع ويتكلم مع آخرين ليسوا من هذا العالم الزائل.. نعم لابد وأنهم سكان السماء ولذلك فقد أضفوا عليه هذا السلام العجيب. فكأن كل العالم من حوله فى جانب وهو فى جانب آخر مغاير لهم تماماً. إنه عالم الروحيات اللامرئى.. لذلك لم يتأثر لأى كلمة من كلمات الإطراء والمديح.

(16) انتهى الحفل ومازال الأستاذ كامل غارقاُ فيما هو فيه وفى نهاية الحفل تقدم الأب المسئول عن تقديم فقرات الحفل بالشكر للأستاذ كامل على مجهوده وتعبه فى رسم خطة النظام ودعاه للخروج لأخذ بركة سيدنا.. فخرج من مكانه متثاقلاً ورأى المسافة بينه وبين مكان سيدنا قد تضاعفت عدة مرات.. وكان يفكر فى ذاته أنه غير مستحق أن يصافح يدى هذا القديس ويقبلها ومع ذلك ومع إحساسه بطول المسافة لم يرى فرداً واحداً حولـه سوى هو فقط وسيدنا الذى نظر إليه بهدوئه الجميل وهو يقبل يده قائلاً له. شكراً.. وكاد ساعتها أن يقفز قلبه منه من تواضع سيدنا ومحبته ونظر إليه سيدنا أيضاً نظرة عميقة لها مغزى معين وابتسم، وخرج من أمام سيدنا وهو فى قمة السلام والفرح الروحى يخاطب نفسه فى هدوء قائلاً :
لما أنت يا سيدنا تقول لى شكراً
أُمال أنا أقول لك إيه..؟
شكراً يا سيدنا.. ألف شكر يا سيدنا
وخرج إنساناً جديداً.
--------
+ القصة مهداه إلى نيافة الأنبـا سـارافيم أسقف كرسي الإسـماعيلية وتـوابعها.. بمناسبة عيد جلوسـه الأول في 3/6/2002
+ كتبت في 3 / 6/ 2002

أميرة الشهيدات

(1) كانت عقارب الساعة تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل عندما قام (مرقس) عن سريره دافعاً عنه الغطاء فى شئ من الضيق - فهذه هى ليلته الثالثة - حيث لم يستطع أن ينام بسبب الأفكار المتزاحمة عليه ليلة وراء ليلة.

(2) مرقس شاب مسيحى يهوى التأليف، وله بعض الأعمال الأدبية المعروفة على مستوى كنيسته - حيث يشارك دائماً فى كتابة القصص ذات المغزى الروحى لنشرها فى مجلات الكنيسة - ولكنه لا يسمح بنشر أى عمل دون أن يكون راضياً عنه تماماً.

(3) تم تكليف المؤلف الشاب بكتابة قصة قصيرة ليتم نشرها فى العدد الجديد من رسالة الشباب الدورية التى تصدر عن خدمة الشباب بالكنيسة - وتركت له أسرة التحرير حرية اختيار الموضوع الذى سيكتب فيه - بشرط أن يكون الموضوع ذا طابع شبابى.

(4) من عادة مرقس إذا ما أراد كتابة قصة أو موضوع معين أن يبدأ بالصلاة ليرشده الرب إلى فكرة الموضوع الرئيسية. ثم يترك الموضوع فى رأسه لفترة معينة حتى ينضج وتتجمع خيوط الفكرة فى نقطة معينة تكون هى نقطة البداية فى الكتابة.

(5)كان موعد تسليم القصة بعد أسبوع مضى منه حتى الآن ثلاث ليال متتالية لم يستطع مرقس النوم خلالها- بسبب الموضوع الذى يريد أن يكتب فيه. فهو موضوع روحى بحت - مما يصعب مهمته إذ كيف سيقدم الروحيات فى إطار قصصى.

(6) كان الموضوع الذى شغل باله هو الأساليب المختلفة التى يحتال بها عدو الخير (الشيطان) على الإنسان لكى يوقعه فى حباله..!أنه موضوع صعب. يتحدث فيه الآباء والمعلمون الكبار ومهما حاول أن يكتب فى هذا الموضوع فلن يستمع له أحد.. وهذا سبب الأرق.

(7) فى وسط أفكاره المتواترة وضيقه.. شدت انتباهه صورة لأميرة الشهيدات - الشهيدة مارينا - كانت موضوعة أمامه على المكتب.. أمسك مرقس بالصورة وهو لا يعرف مصدرها.. ومن الذى أتى بها إلى هنا.. ولكنه نظر إليها بإمعان شديد وأخذ يتأملها.

(8) لاحظ مرقس فى صورة القديسة مارينا أنها تمسك بالشيطان فى غير خوف أو وجل. كما لاحظ بأنها تمسك بيدها الأخرى صليب ربما يسوع المسيح وغصن الزيتون.. ولاحظ أيضاً أن حجم عدو الخير صغيراً ورأى خلفها قصراً ملوكياً وحدائق مزهرة وطريقاً ملتوياً.

(9) ورنت فى اذنيه الفكرة. عندما تركت القديسة الشهيدة مارينا العالم المزهر من خلفها ورفضت طرقه الملتوية وملكه الزائل.. وحملت الصليب وراء مخلصها المسيح.. أعطاها الرب سلاماً فى حياتها وأعطاها القوة لتهزم عدو الخير الذى تضاءل أمام قوة الله الساكنة فيها فهزمته.

(10) أدرك المؤلف الشاب ساعتها أنه لكى يعرف حيل المعاند عليه أن يكون له علاقة حب قوية مع شخص الرب الفادى الذى خلصه ووهبه الحياة.. حتى يستمد من قوته قوة لضعفه.. وعندئذ يكشف له الرب عن حيل المضاد وكيف يقوى عليه.

(11) هنا ووقف مرقس يصلى صلاة حارة للرب يسوع أن يعطيه حياة التوبة وأن يرشده إلى ما فيه خلاص نفسه وأن يكون معه وينقذه من مكائد المشتكى. وطلب شفاعة أميرة الشهيدات العذراء الشهيدة مارينا التى أخذها له شفيعة معينة له بصلاتها عنه.

(12) أنهى صلاته وجلس إلى أوراقه وأمسك بقلمه وبدأ يكتب قصته القصيرة (قصة توبة) شرح فيها أن باب السماء مازال مفتوحاً أمام كل أحد على أن يتوب ويترك حياة الخطية ويقترب من الله أكثر عن طريق وسائط الخلاص والقديسين والتوبة الدائمة.

(13) وعندما أنهى مرقس القصة شكر الرب على كلماته التى أعطاها له وشكر شفيعته العذراء مارينا على فكرتها ووضع هامشاً صغيراً للقصة أنها مهداه إلى أميرة الشهيدات القديسة مارينا.. ورتب أوراقه على المكتب وراح فى نوم عميق.. ولم يكن بباله ما سيحدث له؟؟

(14) لم يمر وقت طويل على استغراقه فى النوم حتى رأى فى نومه شخصاً نائماً على سريره.. ثم رأى شخص أسود اللون ذا شكل قبيح جداً له وجه يشبه الخفاش.. دخل ذاك الأسود إلى غرفة ذاك النائم واقترب منه لينقض عليه ويفتك به.

(15) فجأة ظهرت فى الغرفة فتاة جميلة الشكل نورانية. لها وجهاً مضيئاً مثل القمر. جاءت من وراء ذاك الأسود ولمست بيدها كتفه من الخلف. كأنما تناديه - فلما نظر للخلف صرخ صرخة مدوية جداً هزت اركان المكان وحاول الهروب فأمسكت به.

(16) علا صراخ ذاك الأسود مستغيثاً..، وقد أمسكت به تلك الفتاة فى قوة عجيبة فكانت ترفعه إلى فوق ثم تدفعه فيرتطم بالأرض محدثاً صوتاً كالانفجار.. وتكرر هذا الأمر عدة مرات.. عند ذلك صرخ قائلاً : أطلقينى يا شهيدة المسيح مارينا.. فدفعته أيضاً فاختفى محترقاً.. واختفت الفتاة كما ظهرت.. وانتهى كل شئ.

(17) انتبه مرقس من نومه على صوت غريب فى غرفته.. فكان كأنما أزير طائرة انطلقت للتو إلى الجو بسرعة.. وشعر كأنما كان هناك معركة ما فى غرفته انتهت قبل استيقاظه بلحظات قلائل.. وشدت انتباهه صورة الشهيدة مارينا.
(18) عندئذ تذكر ما شاهده فى الحلم وأيقن ساعتها أنه لم يكن يحلم ولكن الرب أراد له أن يرى صورة حية من دفاع أبناء الكنيسة المنتصرة عن أبناء الكنيسة المجاهدة.. فقام ورفع صلاة شكر للرب يسوع الذى حماه من عدو الخير الذى كان ينوى الفتك به.

(19) نظر إلى ساعته فوجدها تقترب من السادسة صباحاً فأسرع فى ارتداء ملابسه متوجهاً للكنيسة. حيث ينتظر أتوبيس الرحلات. فاليوم هو عيد الشهيدة مارينا والكنيسة تنظم رحلة لصلاة القداس الإلهى فى كنيسة العذراء المغيثة بحارة الروم.. حيث أميرة الشهيدات مارينا هناك.

(20) بعد عودة مرقس من الرحلة- أمسك بالقلم وكتب قصة قصيرة بعنوان أميرة الشهيدات ومؤلف الحكايات حكى فيها ما حدث معه.. وذهب لأسرة التحرير فرحاً بالقصة.. ولما قرأ عليهم القصة.. قرروا بالإجماع رفضها لأنها اغرب من الخيال ولا يمكن تصديقها.. فعاد مرقس فى غير تضجر وسأل نفسه قائلاً : هل يعسر على الرب أمر ما؟
----------
? القصة مهداه إلى أميرة الشهيدات القديسة الشهيدة مارينا.
? كتبت فى 29 / 5/ 2002.
ملاحظة : للقديسة مارينا الشهيدة عيدين فى 23 أبيب وهو عيد استشهادها ويوافق يوم 30 يوليو.وآخر فى 23 هاتور وهو عيد تكريس كنيستها بأنطاكية ويوافق يوم 2 ديسمبر.ويوجد كف القديسة فى كنيسة السيدة العذراءالأثرية (المغيثة) بحارة الروم - بالقاهرة.

الرب مع جميعكم...!!؟؟

نظر إلى ساعته فإذ هى التاسعة تماماً. تلفت حوله فى فناء الكنيسة فلم يجد أحداً كان الجميع بالداخل لأن القداس الإلهى لم يكن قد انتهى بعد.. لم يتبق على موعده مع شريكه سوى ساعة واحدة فقط. فالموعد هو العاشرة تماماً من صباح الأحد أمام الكنيسة لأن الضحية تقطن فى الدور الثالث فى العمارة الكائنة بجوار الكنيسة.

(أرملة شابة فى حوالى الثلاثين من العمر. تعول طفلتين توفى والدهما الصائغ منذ حوالى شهرين، تخرج الأرملة يوم الأحد صباحاً للقداس ثم تقضى باقى اليوم فى منزل والدها مع طفلتيها الصغيرتين.. ولا تعود للمنزل قبل مساء نفس اليوم. هذه هى كل المعلومات التى قالها له شريكه إبراهيم، والذى يعمل فى ورشة الدوكو فى نفس عمارة الضحية فى الدور الأرضى، والذى رتب معه كل شئ اليوم.. حيث قررا السطو على الشقة والاستيلاء على ما يجدونه بها من ذهب ومجوهرات مستغلين غياب صاحبتها).

كان الوقت لا يزال مبكراً لتنفيذ المهمة، ولذلك فقد قرر الدخول إلى داخل الكنيسة لأمرين.
أولهما : التعرف على الضحية من خلال صورة التقطت لها دون أن تدرى.
ثانيهما : تضييع الوقت.
جلس فى مؤخرة الكنيسة وهو يحتضن صورة الضحية بكلتا يديه. محوطاً إياها فى حنو وكأنها أصبحت كل ما يتمناه، وفى حذر أيضاً حتى لا يسطع أحد رؤيته.. وأخذ ينظر إلى الناحية المقابلة فى اتجاه مقاعد السيدات وبصعوبة بالغة تمكن من رصد الضحية.. فرح جداً وتمنى أن يتم فرحه هذا بالا يغير هذا الصيد الثمين خط سيره اليوم..

وضع الصورة فى جيبه وقد غمره إحساس كبير بالاطمئنان ثم وضع رأسه بين كفيه وسند بكوعيه على ظهر المقعد الكائن أمامه.. فبدأ كأنما قد تحول إلى تمثال.. لا شئ يعمل فيه سوى ذهنه الملئ بالأفكار.. يطرح عليه العديد والعديد من الأسئلة التى لا إجابة لها عنده سوى إجابة واحدة فقط وهى تنفيذ هذه العملية بأى شكل.. لأن تلك العملية هى المفتاح السحرى لكل مشكلاته التى وضع نفسه فيها.. تكاثرت عليه الأسئلة والاقتراحات والأمنيات.. فحاول الهروب منها فلم يستطع.. كانت تحاصره من كل جانب فكان يرى فيها الجيد والردئ.. وكان بكل سهولة ساعتها يعرف كيف يميز بينها.

ولما رأى أنه مهزوم من الجانب الخيَّر الذى يدعوه لعدم تنفيذ هذه العملية.. انتفض من مكانه محاولاً تعديل سير الأفكار داخله.. لتسير له على حسب ما يريد.. ساعتها فقط دخلت أذنيه كلمات قلائل من الصلاة قالها الأب الكاهن فى جدية ممزوجة بروحانية لم يفهم معناها.. قال: .. الرب مع جميعكم.. ثم سدت أذنيه مرة أخرى.. فلم يسمع أى شئ آخر سوى تلك الجملة.

وسمع تفكيره يرد فى احتداد.. أنا مش عارف إحنا هنبطل الدروشة دى إمتى.. الرب مع جميعكم...!!؟؟.. ميكونش ربنا يعنى هييجى ويمشى مع كل واحد مننا!! كلام غريب!!
فى أثناء انشغاله بهذا الفكر دخل أحد الأشخاص ووقف إلى جواره.. كان غريباً أن يأتى ذاك الشخص إلى جواره فى مكانه هذا والكنيسة بها العديد من الأماكن الشاغرة فى مقدمة الصفوف ووسطها.

كان دخول هذا الشخص سهلاً فلم يسمع صوت احتكاك أقدامه بالأرض فخُيِّل إليه أنه دخل طائراً لا سائراً.. ثم ما هذا الشعور الغريب الذى يحسه الآن تجاه الشخص الواقف عن يمينه.. شعوراً لم يستطع تفسيره أو إدراك ماهيته.. فكان يهرب من هذا الشعور على الرغم من أنه شعور مُرِيح جداً فقد لاحظ أن الشخص الواقف بجواره غريب جداً فهو لم يعد عن يمينه ولكنه شعر به عن يساره ومرة أخرى من خلفه وأخرى أمامه.. فكان يرى نفسه يحاط بهذا الشخص الغريب من كل جهة، ومع ذلك لم يتضجر لهذا الوضع... بل داخله إحساس عميق بأن هذا الشخص يحتضنه برفق بين ذراعيه وتمنى لو صرخ باكياً كالطفل يشكو لأبيه من شئ يضايقه.

هنا وأفاقته من غمرة احساساته قطرات الماء التى ينثرها الكاهن على الشعب فى نهاية القداس وصلى الجميع أبانا الذى فى السموات وابتدئوا فى الانصراف.. هنا أدرك أنه كان بفكر وأن أفكاره حول كلمات (الرب مع جميعكم) قادته إلى تلك الهلوسة التى جعلته يظن أن هناك من يتبعه حتى أنه ظن فى غمرة انفعالاته أنه ربما يكون السيد المسيح ذاته، ولكنه طرد الفكرة قائلاً لنفسه (بلاش كلام فارغ)، وابتدأ يثبت نظره ناحية مكان الضحية المرتقبة وترك مكانه خلفها خارجاً من الكنيسة ، ولكنه عاد وشعر بنفس تلك المشاعر الغريبة التى لم يفهمها من قبل.

وعاد يحس بهذا الغريب الدائر حوله.. هنا لم يعد مجالاً للشك فالإحساس هذه المرة مؤكد من يكون إذن؟ لابد وأنه فعلاً السيد المسيح له المجد.. لكنه عاود طرد الأفكار.. وطرد تلك الفكرة من رأسه ولكن الإحساس مازال معه.
بدأ يتحرك من جديد.. فتحرك معه الشخص الغريب دون أن يلمسه ودون أن يمنعه فأحس بأنهما شخص واحد.. كلما تحرك تحرك معه فى هدوء كان كالطيف غير ثابت على الأرض، وكان إحساسه جميلاً لم يجد ما يرد على نفسه لينكر أن هذا الرفيق هو الرب الحبيب.. ساعتها ذاب قلبه داخله حباً وخجلاً وشعر بأنه تغلب على كل أفكاره ومشاعره الخاطئة وشعر بنفسه يُحلِّق فوق مستواه. الترابى.

وقرر أن يرفع بصره ليراه..، ولكن لم تأتيه الشجاعة لذلك.. كان يراه بجانبه وحوله دون أن يقع بصره على وجهه.. ولم يستطع أن يفعل شيئاً حيال ذلك.. فبرغم كل ما يشعر به.. شعر بأنه يلزم لرؤية وجه الرب.. قوة غير عادية قوة إلهية.. وأدرك أنه لابد أن يسمح له الرب برؤية وجهه. ليستطيع ذلك فرفع قلبه فى خشوع وندم على كل خطاياه السالفة..، وطلب من الرب أن يسمح له برؤيته.. وبأنه عازم على ترك كل شروره لو أتيحت له هذه الفرصة.
هنا شعر بيده تربت على كتفه فى رفق فشعر بقوة فائقة تسرى فى جسده كأنما صعقه تيار شديد جعله يرفع وجهه فى سرعة الصاروخ ناحيته فإذ به يرى وجه أبونا الكاهن مبتسماً ليوقظه من نومه العميق لأن القداس الإلهى قد انتهى وهو مازال نائماً فى مكانه فى مؤخرة الكنيسة.

وتدارك هذا الشخص الموقف بكل بساطة قلب فلم يترك الأب الكاهن يمضى قبل أن يقدم على يديه توبة بندامة واعتراف كامل عن كل ماضيه وعن تفاصيل حياة الخطية السابقة وخرج من الكنيسة وهو متأكد تمام التأكد أنه لم يكن حلماً..، ولكنه بالفعل كان فى صحبة رب المجد، ولكن لعدم استحقاقه.. لم يقو على أن يرى وجه الرب ولكنه شعر به فقط وطلب من الرب علامة على صحة تفكيره، وعلى قبول الرب لتوبته. فإذ به يرى فى أثناء خروجه من الكنيسة رجال البوليس أمام العمارة المستهدفة خارجين وهم يمسكون بأيديهم صديق السوء القديم وفى يديه الكلبشات وهم يضعونه فى (البكس)

كان هو قد نسى تماماً أمر المؤامرة السابقة وصديقه الشيطان الذى كان ينتظره الذى لما طال انتظاره له. قرر تنفيذ العملية لصالحه، وكانت هذه النتيجة.. ساعتها فقط صرخ قائلاً (العلامة) وصرخ من عمق قلبه قائلاً : أشكرك يارب على هذه الفرصة وخرج شخصاً جديداً.
وأصبح القداس الإلهى بكل كلمة وحركة فيه هو موضع اهتمامه.. لأنه أيقن ولا مجال للشك بأنه كلام حى فيه روح وحياة.
----------
القصة مهداه إلى كنيستنا القبطية الأرثوذكسية وطقوسها الجميلة.
? كتبت فى 26 / 4/ 2002

الحرب للرب

افعل ما يحلو لك فأنا لن أترك صلاتى - هكذا خاطب بيشوى عدو الخير متابعاً صلاة نصف الليل. رافعاً قلبه للرب يسوع أن يعينه ويرفع عنه ضغط أفكار عدو الخير الذى يحاول تشتيته - ختم بيشوى صلاته بصلاة ارتجالية طويلة طلب فى طياتها من السيد الرب أن يشترك معه فى حربه ضد المعاند مظهراً بتذلل أمام الرب مدى ضعفه وعجزه.. بعدها استسلم للنوم.

+ فى الصباح بعد صلاة باكر كتب بيشوى ورقة صغيرة عن جدول أعمال اليوم :
8.00 القداس الإلهى
11.00 افتقاد لفتيان إعدادى
2.00 عودة للمنزل
4.00 زيارة لصديقى المريض (مينا)
5.00 درس الألحان
6.00 اجتماع إعدادى (كخادم)
8.00 اجتماع الخدام (كمخدوم)
10.00 عودة للمنزل
سيكون يوماً مجهداً - حاول عدو الخير إدخال روح ضجر على بيشوى فأجاب بكل عزم وقوة : ولو. ليكن ما يكون. إن عشنا فللرب نعيش ثم التقط بيشوى آية من آيات جدول (ماذا تريد يارب أن أفعل؟) وقرأها لتكون آية اليوم فكانت... لم تقاموا بعد حتى الدم مجاهدين ضد الخطية.. (عب 12 - 4).. أسرع بعدها بيشوى خارجاً من المنزل فى خطوات سريعة إلى حيث نبع التعزية ومصدر القوة. إلى لقاء الرب.. إلى القداس الإلهى.

لم يتمكن بيشوى من الجلوس فى إحدى الصفوف الأمامية كعادته.. فالكنيسة اليوم تغط بالمصلين على غير العادة - لعله تذكار الأربعين أو السنوية لأحد المنتقلين - هكذا خاطب نفسه وهو يتجه إلى مكان آخر فى وسط الكنيسة وجده مناسباً له.. ورفع قلبه للرب يسوع فى صمت قائلاً : يارب. لقد أتيت لأتقابل معك وآخذ منك قوتى.. اجعلنى لا أرى أحد سواك.

فى تلك الأثناء كان القداس قد بدأ بالفعل وتتابعت الصلوات. وبيشوى ينعم بحلاوة الصلاة وهدوء النفس، ولكن عدو الخير لم يدعه إلى ما هو فيه وبدأ الحرب.. فقد أرسل له بأحد الأشخاص جلس إلى جواره، وبدأ فى ترديد القداس بالكامل كاهناً وشماساً وشعباً فى صوت غليظ وقوى جداً. لم يترك لبيشوى بعده أى شئ من التركيز أو الروحانية.

لم يتضايق بيشوى بل رفع قلبه للرب يسوع قائلاً : لا تجعلنى يارب أكون عثرة لأحد أخوتى.. ولم يتكلم معه.. بل فكرَّ أن لكل واحد منا طريقته فى الصلاة فماذا يقطع عليه صلاته. وقرر أن ينتقل لمكان آخر. نظر إلى الخلف فوجد أن هناك بعض الأماكن الخالية من المصلين فترك مكانه فى هدوء ورجع إلى الصف قبل الأخير ووقف فى هدوء.

لم تمض أكثر من عشرة دقائق من ذلك الهدوء، وبدأ عدو الخير بالهجوم للمرة الثانية.. صرخ الشاب الجالس خلف بيشوى فى شئ من العصبية (إيه اللى أخرَّك؟)، ونظر بيشوى للخلف ليجد هذا الشاب يخاطب شاباً صديقه متجهاً نحوه.. فسلَّم عليه وجلس بجواره، وبدءا معاً فى مناقشة برنامج اليوم وما سيفعلونه عقب القداس، ولم يستطع بيشوى أن يسمع كلمة واحدة من الصلاة. فنظر إليهما وقبل أن ينطق بكلمة واحدة نظر إليه الشاب الأول شذراً وقال (لو مدايق من الصوت.. شوف لك مكان تانى).. بينما كان الشاب الآخر ينظر فى حالة من البله الممزوج بالضحك.. ساعتها أدرك بيشوى أن عدم الكلام أفيد من الكلام فى هذه الحالة.. فترك مكانه على الفور متجهاً للهيكل الجانبى وهو يتمتم مصلياً بالمزمور (اللهم التفت إلى معونتى.. يارب أسرع وأعنى)..

لم يكن بالهيكل أكثر من خمس أفراد يقفون فى خشوع.. شكر الرب على هذه الفرصة ووقف فى أحد الأركان البعيدة عن الأنظار ووضع تركيزه كله فى صلوات القداس المتتابعة.

لم تمض أيضاً أكثر من خمس دقائق ثم بدأ المقاوم فى دخول الجولة الثالثة.. فإذ باثنين من الشمامسة الصغار.. قد أتيا إلى جواره فجلسا ومعهما كتاب للمادة التى سيؤدون فيها الامتحان غداً.. وبدأت المناقشات التى سلبت كل هدوء فى المكان..، ولكن تلك المشاحنات لم تدم طويلاً فها هو أحد الشمامسة الكبار والذى يزامل بيشوى فى الخدمة.. قد دخل الهيكل وأوقف هذه الأصوات التى تزعج المصلين..، وأخرج الشمامسة الصغار خارجاً شكر بيشوى الرب إلهه على هذا الحل السريع.. ولكن ما هذا؟ لقد عاد ذلك الشماس الخادم ووقف أمام بيشوى فسلَّم عليه وبدأ يسأله عن أخباره وهل سيحضر الخدمة اليوم أم لا؟ وعن... وعن وأسئلة كثيرة دون أن ينتظر إجابة.. فصرخ بيشوى فى قلبه للرب يسوع قائلاً : يارب لماذا كثر الذين يحزنوننى.. لماذا يارب لا أستطيع أن أتمتع بك..

وهنا رأى بيشوى تدافع المصلين على الهيكل.. لأن التناول سيبدأ حالاً ورن فى أذنيه صوت عدو الخير قائلاً : ها قد انتصرت عليك.. ولم أجعلك تركز فى القداس الذى كنت تنتظره بفارغ الصبر. فرد بيشوى عليه: قد تكون قد كسبت جولة ، ولكن الحرب لم تنته بعد.. ورفع قلبه فى انكسار للرب قائلاً : يارب.. أنا أعرف أنى غير مستحق للتقدم لهذه المائدة السماوية - التناول ولكنى أحتاج لها بشدة. اسمح يارب واعطنى من هذا الخبز السماوى ليكون عونى فى جهادى.. وهنا سكب الرب فى قلبه سلام عجيب فشعر بهدوء وطمأنينة وتقدم من سر الشكر بشكر وخرج ليكمل بقية برنامجه اليومى بعد أن صلى للرب قائلاً : اشترك يارب فى العمل مع عبيدك، وكن معنا فى جهادنا.

وفى نهاية اليوم.. وقف بيشوى ليصلى صلاة نصف الليل فضغط عليه عدو الخير بأفكار تشتيت كثيرة ليسقطه فخاطبه بيشوى قائلاً : افعل ما يحلو لك فأنا لن أترك صلاتى.
----------
+ لأن الحرب مستمرة بين عدو الخير والإنسان مادام فى الجسد لذلك فقد انتهت القصة من حيث بدأت وذلك دليل على أنه من الممكن أن تتكرر الحرب أكثر من مرة...
? القصة مهداه إلى اجتماع الشباب والشابات بكنيسة السيدة العذراء مريم بالإسماعيلية.
? كتبت فى 26 / 4/ 2002

الشــورية

أندرو طفلاً صغيراً لا يتجاوز عمره أصابع اليد الواحدة. تراه دائماً جالساً إلى جوار والده الذى يحتل بصفة دائمة مكاناً فى المقعد الأول من صفوف الرجال فى كنيسة السيدة العذراء مريم بقرية البطاخ بسوهاج، وذلك فى أثناء القداسات،وترى على وجهه البرئ سروراً وفرحاً واغتباطاً متزايداً لا تعرف له سبباُ وهو أيضاً لا يعرف له سبباُ فهو لا يفهم أى شئ مما يحدث حوله من طقوس وصلوات ومع ذلك فهو يشعر بسعادة غامرة بجلوسه فى هذا المكان.

كان أكثر ما يسترع انتباهه ويعجبه فى القداس تلك الآلة العجيبة التى يمسكها أبونا دائماً، والتى يخرج منها دخاناً له أشكالاً جميلة ورائحة أجمل ويكون بها فى الداخل أشياءً مضيئة أحياناً تشتعل، ولها سلاسل وأجراس ذات صوت موسيقى جميل. كل ذلك جعله يتعلق بها أكثر وأكثر، ويصمم على حضور القداسات ليتابع حركاتها المستمرة.. وعندما سأل والده عن اسمها أخبره أنها (الشورية).. ولما كان فم أندرو يفتقر إلى أسنانه الأمامية العليا فقد كان ينطقها (سوريا).
وأصبح كل ما يتمناه أندرو أن يمسك هذه الآلة العجيبة - بطلة أحلامه - وينطلق بها فى كل مكان كما يفعل أبونا.

وعاش أندرو فى أحلامه الصغيرة (... كان أبونا يأخذ السوريا من يد الشماس ويضع فيها شئ لا يعرف كنهه.. فيخطف الشماس الصغير الصليب وشئ آخر لا يعرفه أندرو ويجرى أمام أبونا فى الناحية الأخرى.. ويقول لأبونا.. عاوز أدخن زيك يا أبونا - يرد عليه أبونا.. لا. هات اللى أنت أخدته.. فيرد الشماس لا ويجرى هرباً من أبونا. فيجرى أبونا خلفه ولما تفشل محاولة أبونا للإمساك به يقول له.. خلاص أنا هاخد لفه أدخن شوية. وبعدين أنت.. فيوافق الشماس.. ثم يخرج أبونا للناس.. اللى يلاقيه قاعد.. يقوله له... هلسعك بيها.. يرحوا كل الناس يخافوا ويقفوا (1).. وتانى مرة.. لما يخرج أبونا ويلاقيهم خافوا ووقفوا لوحدهم.. فيرجع تانى وميكملش لف الكنيسة (2).. ويرجعها للشماس.. اللى بياخذها ويلعب بيها شوية وبعدين يرجعها تانى لأبونا...)

كانت أيام جميلة تلك التى عاشها أندرو مع الشورية فى خيالاته الواسعة تلك.. والحوارات التى كان يضعها.. متخيلاً أنها تتم بين الكاهن والشماس فى الدورات المختلفة مما جعله لا يستطيع أن يترك أى حركة للشورية لا يضع لها حواراً فى خياله الصغير.

مرت الأيام وكبر أندرو قليلاً.. وكان فى إحدى الزيارات الرعوية للأب الأسقف لبلدته الصغيرة أنه سيم شماساً - إبسلتس - وهو فى الصف الأول الابتدائى...، وجاء دوره ليكون من أبطال القصة. لا من مشاهديها.. وأدى دوره فى براعة وإتقان لا مثيل له.

فى إحدى الدورات فى نفس أسبوع سيامة أندرو شماساً. لاحظ معلم الكنيسة أن أندرو يُخرج لسانه من فمه أثناء الدورة، ولم يفهم ساعتها وظنه مريضاً، ولما تكرر الأمر وسأله عن السبب. أجابه فى بساطة قلب بكل أفكاره السابقة (إنه يجرى أمام الكاهن ويخرج لسانه له كإتقان للدور ليأخذ دوره هو أيضاً فى الدوران بالشورية). فأبتسم المعلم وابتدأ يشرح له معنى هذه الدورات ولماذا تم وضعها على هذا النحو فى طقس القداس الإلهى.

عقب سيامه أندرو شماساً اشترك فى فصل الألحان والتسبحة وأظهر نبوغاً لا مثيل له.. وكان مجتهداً جداً وتدرج بعمل النعمة حتى صار أغنسطسياً فى سن إعدادى.. وتدرج فى حبه للكنيسة وطقوسها الجميلة والتى جعلها همه الأول.. فكان فى سن ثانوى يعد الأبحاث المتنوعة عن طقوس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية ومصدرها وكتابيتها ورموزها.. حتى سبق سنه بكثير، وكان دائماً يقول لأقرانه عن ضرورة العمق فى الصلاة ففى رأى أندرو أن الطقوس ليست هدفاً فى ذاتها إنما هى وسيلة تشرح لنا فى بساطة الإيمان ويجب أن نؤدى الطقس بروحانية ولا يكون مجرد حركات لا نفهم معناها أو نحسها وإلا أصبحنا كالفريسيين.

فى سن الجامعة لم تشغله الدراسة عن الكنيسة والخدمة فكان دائماً ملتهباً بعمل الله فيه وملتهباً بمحبة الرب يسوع الذى دعاه للكهنوت عقب إنهاء دراسته وعقب إنهاء رسالة الدكتوراه التى كان قد ناقشها قبل السيامة بشهر واحد وكان موضوعها (الطقوس فى الكنيسة)..
وبدأ فى خدمته الكهنوتية فصار صورة للرب على الأرض.. وكان كلما أمسك بالشورية. تعلو وجهه ابتسامة وينطلق فى حبور وبشاشة يعطى البخور حسب الطقس.. متذكراً دائماً الطفل أندرو.. الذى كثيراً ما كان يحكى عنه فى محاضراته عن الطقس..
------
(1) دورة البولس. (2) دورة الإبركسيس.
- القصة مهداه إلى كنيسة السيدة العذراء مريم بقرية البطاخ بسوهاج كاهناً وخداماً وشعباً.
- كتبت فى 26 / 4/ 2002

كيف سقط يوسف..؟؟!!

--- قصة واقعية فى أربع مشاهد ---
(1) - (يا أخى متَّع نظرك. متعقدهاش. خليك سبور وبحبوح هى البصَّة هتموتك).

* هذا ما قاله يوسف الطالب بالفرقة الثانية بكلية الزراعة لصديقه عادل الطالب بنفس الفرقة والكلية. وذلك أثناء مرور إحدى الزميلات والتى كانت ترتدى ملابس معثرة. عندما حوَّل عادل نظره بعيداً عنها.. عندئذ رد عادل ببساطة قائلاً :
+(إن فماً تمنع عنه ماءاً لا يطلب خمراً.. وبطناً تمنع عنه خبزاً لا يشتهى لحماً...)
- يعنى إيه يا فصيح؟
+ يعنى اللى بيدقق فى الحاجات الغلط الصغيرة وميعملهاش مش هيقدر عدو الخير يوقعه فى الحاجات الأكبر والأفظع بسهولة.
- منك نستفيد يا أبو العريف.. ابقى خدنا على جناحك يا قديس أفندى.
+ من غير تريقه لو سمحت. أنا مفرضتش رأيى عليك. أنت سألت، وأنا جاوبت.. وكل واحد حر.. سلام.
* دار الحوار السابق بعد ثلاثة أيام من بداية الترم الأول فى العام الدراسى 2001 : 2002 - فى إحدى الممرات الداخلية لجامعة قناة السويس.

(2) * قبل ثلاثة أيام من امتحان نفس الترم.

+ مش عاوزين نتأخر.
- متخفش ربع ساعة بالكتير.. يدوب هناخد منه المذكرة نصورها عند الراجل اللى تحت العمارة ده.. ونمشى على طول.
+ هوَّ مفيش غير أمجد اللى عنده المذكره دى؟؟!!
- ما أنت عارف أنه قريب الدكتور.. وبعدين دا صاحبى متقلقش مشى هيرفض.
* لكن يبدو أن موعد الامتحان قد تقدَّم لعدة أيام. فعندما دخل عادل ويوسف إلى شقة أمجد. كانت المفاجأة - فقد كانت هناك وليمة مقامة على شرف إبليس - فوجد أمجد مع صديقه الحميم سامح فى صحبة فتاتين وعرضا عليهما بكل بساطة ممارسة الخطية.. وفى سرعة عجيبة وافق يوسف، ولكن عادل رفض بشدة. ولمَّا لم يرد أمجد أن يعطيه المذكرة إلاَّ بهذا الشرط ورفض يوسف النزول معه ترك الجميع ومضى بلا أدنى ندم.

(3) * بعد ثلاثة أيام من بداية الترم الثانى من نفس العام.

+ لازم نلحقه يا أبونا.. دا بقى حالة صعبة خالص.
- ربنا هيدخَّل يا بنى.. المسيح معانا.
* كان يوسف قد وطد علاقته بالخطية بشكل كبير. وخدعته هى بكلامها المعسول أنه هو فتى أحلامها الذى ظلت تبحث عنه طيلة أيامها وأنها لم تر شخص مثله من قبل.. وهو ذاق مرارتها فإذ هى حلوة جداً.. فترك دروسه وكنيسته وأسرته وكل ما له وسعى خلفها.
* كانت المواجهة الحانية مع الأب الكاهن فى حضور السيد الرب فى جو ملئ بالحب.. فشعر يوسف بخطأه وندم على ما صدر منه وقدم توبة صادقة مع اعتراف كامل.

(4) * قبل ثلاثة أيام من امتحان الترم الثانى من نفس العام .
تقابل يوسف مع جاره بنيامين الطالب بالفرقة الأولى بنفس الكلية فإذ به يقول ليوسف:
- (يا أخى متع نظرك.... هى البصة هتموتك).
* فرد عليه يوسف فى بساطة قلب :-
+ إن فماً تمنع عنه ماءاً لا يطلب خمراً.. وبطناً تمنع عنه خبزاً لا يشتهى لحماً... (*)

-------------
(*) هذا القول هو للقديسة سارة الراهبة.
العفة ليست مظاهر خارجية... فما نراه من سلوك يدل على ما يوجد فى القلب.. ومع ذلك هناك ضرورة لعفة النظر. لأن العين.. من أهم مداخل الإنسان.
? القصة مهداه إلى كل صديق يتعلم من صديقه الإيجابيات ويترك السلبيات.
? كتبت فى 26 / 4/ 2002

شاب من الفكرية

(1) كانت أمنية حياة فيكتور أن يلتحق بكلية الطب - ولأن الرب كان معه فقد حقق له أمنيته - كان هذا العام هو عامه الأخير فى الدراسة قبل أن يبدأ حياته العملية.. ويعود فيكتور بذاكرته للوراء عندما دخل الحرم الجامعى الأول وكيف خفق قلبه بشدة شكراً وحمداً وسبحاً للرب يسوع الذى حقق له أمنيته وعرفاناً بالجميل لشفيعه البطل الرومانى مارجرجس وكيف توالت أيام الدراسة. ورأى فيكتور داخل الجامعة ما سرَّه وما أحزنه. فما سره كانت علومه التى يدرسها والتى كانت موضع اهتمامه وتأملاته. وما أحزنه كان انحدار مستوى الأخلاق عند بعض شبابنا المسيحى مما جعله يرفع العديد من الصلوات للرب القدير أن يحميه وكل أقرانه من أبناء وأفكار وفلسفات هذا الدهر المتناقض حتى مع ذاته، ولذا فقد سارت حياة فيكتور الجامعية بيسر شديد فكان كالسراج المضئ فوق المنارة استطاع أن يكوَّن العديد من الصداقات الناجحة تحت لواء المحبة للجميع فوجد فيه أصدقاءه المسلمين.. أخلاقه القويمة.. أسلوبه الهادئ المتزن.. حسن تعامله معهم.. ثقافته ومشاركته لهم فى أفراحهم وأتراحهم ووجد فيه أصدقاؤه المسيحيون مرشداً واعياً مهتماً بخلاص نفوس الجميع.. فكان دائماً يقول لهم بضرورة أن يظلوا على اتصال دائم مع آباء اعترافهم والكنيسة والتناول، وكان يحثهم دائماً على حضور اجتماع الشباب الذى يعقد كل يوم أربعاء فى كنيسة شفيعه وحبيبه مارجرجس هنا فى الفكرية (أبو قرقاص).

(2) الكل هنا يعرف فيكتور ذلك الشاب المؤدب المتزن صاحب الأخلاق الذى صار بأدبه وخلقه محط أنظار الجميع صار القدوة والمثال الذى يحتذى به.. هاهم آباء الكنيسة يعرفون بالحق دور ونشاط فيكتور فى خدمته كشماس و تحفيظ الشمامسة الصغار الألحان الكنسية.. وفى افتقاداته التى يتسع مجالها يوماً بعد يوم وفى نجاحه المنقطع النظير فى إدارة وتنظيم اجتماع الشباب المسئول عنه وأفكاره ومقترحاته المستمرة لتطوير الخدمة فى الاجتماع وجذب النفوس البعيدة والمحافظة على الحاضرين المنتظمين. ها هما أباه وأمه يدركان تماماً... عظم عطية الرب لهم ومدى حبه العظيم لهما إذ رزقهما بعد عشر سنوات من عدم الإنجاب بتلك الهبة السماوية... التى جعلتهما يطمئنا إلى شيخوختهما فى ذلك الشاب المؤمن. ها هم أصدقاؤه شباباً كانوا أو شابات.. مسلمين أو مسيحيين.. رأوا فيه الأخ الحكيم.. صاحب الأخلاق والتدين الحقيقى غير المتكلف الذى يخفى ورائه قلباً طاهراً مليئاً بنور الإيمان النابع من حلول الإله العظيم داخل هذا الإناء المختار.

(3) بدأ فى ذاك اليوم عندما كانت الساعة تدق معلنة الوقت فإذ هو السادسة صباحاً ميعاد استيقاظ فيكتور من نومه - أزاح عنه دفء الغطاء فى نشاط ورسم ذاته بعلامة الصليب المحى ثلاث مرات كعادته.. نظر إلى صورة السيد المسيح أمامه كان التقويم أسفلها يشير إلى أنه اليوم الثانى عشر من فبراير عام سبعة وتسعون وتسعمائة وألف ووقع نظره على أن اليوم هو الأربعاء وتذكر فيكتور أن اليوم ميعاد اجتماع الشباب خرج فيكتور من غرفته فغسل وجهه وعاد أدراجه إلى غرفته فى هدوء.. كانت تلك الغرفة تمثل العديد من المعانى. كانت المكان الوحيد الذى يشعر فيه بالراحة والأمان حيث يجلس عن أقدام الرب ويعيش حياة التأمل كمريم أخت لعازر.. كان يغطى جدرانها الأربعة بصوراً لقديسين قد تجد مجهوداً كبيراً لتستطيع أن تعدهم وتعرفهم بأسمائهم - فقد كانوا فعلاً أصدقاؤه كان يعتبر تلك الغرفة كقطعة من السماء... كان يدرك تماماً بحلول المسيح فيها دائماً مع أحبائه القديسين.
وقف فيكتور معطياً وجهه ناحية المشرق تجاه صورة السيد المسيح وبلهفة شديدة وحب جارف بدأ صلاة باكر ومن أول كلمة نطقها شعر بشعور غريب لا يعرف كنهه أو سببه.. وكلما زادت صلاته حرارة أزداد هذا الشعور المريح.. شعور لا يقوى عقل بشرى إدراكه ولا يستطيع أى إنسان ضعيف على فهمه ولا تستطيع نفس بشرية أن تتخلى عنه. شعور تقف الكلمات عاجزة عن وصفه، ويشعر القلم أمامه بإحباط لعدم تمكنه من التعبير عنه ظل هذا الشعور يملأ فيكتور فغمره كله جسداً ونفساً وروحاً بإيمان وثقة وثبات فى إيمانه بالرب يسوع.

(4) أنهى فيكتور صلاته فخرج من قلايته كما كان يحلو له أن يسميها - ووجد والده ووالدته قد استيقظا فقبَّل يدى والده ووالدته.. ولما علم أنهما فى طريقهما لحضور القداس. طلب منهما أن يذكراه فى صلواتهما ارتدى ملابسه متجهاً للجامعة وهو يظفر حمداً للرب الإله صاحب تدابير الخلاص. متذكراً أن اليوم هو الأربعاء تذكار تشاور اليهود على الرب ومذكراً نفسه بصوم يوم الأربعاء الذى يحلو له أن يحافظ عليه مع صوم يوم الجمعة. فى آخر اليوم الدراسى وقف فيكتور مع أصدقائه المسيحيين فأكد عليهم جميعاً ضرورة حضورهم لاجتماع الشباب اليوم الساعة السابعة مساءً واستأذنهم عائداً إلى منزله.
بمجرد وصوله للمنزل رفع صلاة شكر قصيرة إلى الرب يسوع الذى حفظه. بعد ذلك تناول فيكتور الطعام مع والديه.. ثم وقف يصلى الثالثة والسادسة والتاسعة معاً كما تعود وحسب برنامجه الروحى مع أب اعترافه فكانت هذه الفترة بالنسبة له أقرب ما تكون إلى الحياة فى الفردوس وأثناء صلاته عاوده ذلك الشعور الذى غمره صباح اليوم حتى فضَّل لو لم ينهى صلاته. لولا علمه بأن الرب ينتظره أيضاً فى داخل كلمات الكتاب المقدس. فأنهى صلاته وسارع بفتح كتابه المقدس وعلى مدى ساعة كاملة كان قد ارتوى فيكتور من ينابيع الحب الصافية.

(5) نظر فيكتور لساعته فرآها وقد قاربت السادسة مساءً فارتدى ملابسه واتجه إلى كنيسة شفيعه مارجرجس، وذلك لحضور اجتماع الشباب. دخل فيكتور الكنيسة فشعر بقلبه يخفق وكأنه يسجد للرب قبل جسمه صلى فيكتور أمام هيكل الرب.. واتجه إلى أبونا جرجس أب اعترافه بمكتبه فجلس معه فى جلسة اعتراف هادئة شعر بعدها حقاً بأنه لا يوجد سلاماً آخر فى العالم كله سوى ما يشعر هو به. توجه فيكتور مرة أخرى إلى خورس الكنيسة حيث أعد مكان المحاضر حيث كان قد حضر عدد ليس بقليل من الشباب والشابات.
افتتح فيكتور فقرة الترانيم لحين حضور الشاب المسئول عن الترانيم، وجلس إلى منضدة فى آخر الكنيسة ومعه سجل الحضور لتسجيل أسماء الشباب الداخل للاجتماع وتوالت الترانيم فكان معظمها من اختيار فيكتور. كان يرتلها مع الشباب بمشاعره وأحاسيسه وكل ما فيه من قوة. وانتهت فقرة الترانيم وبدأ مع الشباب فى تلاوة صلاة الغروب كعادة الاجتماع ثم تلا ذلك صلاة ارتجالية لفيكتور استطالت إلى عشر دقائق قال فيها فيكتور أحلى الكلمات الحقيقية غير المتكلفة والتى تمس القلب والوجدان فشعر الجميع وكأنهم فى السماء... وبدأ فيكتور يختم الصلاة مردداً (ارحمنا)، وتعالت الأصوات الرخيمة مدوية فى الكنيسة... ارحمنا يا الله مخلصنا.

(6) وسط هذه الصلوات سمع الجميع ومنهم فيكتور بأصوات أقدام تجرى متجهة إلى داخل الكنيسة.. ثم أصوات وابل من طلقات الرصاص هنا وهناك.. ويتلفت الجميع فى دهشة! ممزوجة بالفزع للوراء ليروا ما يحدث.. وفى لحظات قصيرة ظنها المصلون ساعات طويلة يرى الجميع من يسدد إليهم البنادق الآلية فى غير رحمة، وقبل أن يدرك فيكتور حقيقة الموقف ومن هؤلاء الذين يطلقون الرصاص كانت قد استقرت فى قلبه رصاصة من رصاصاتهم الغادرة فسقط على الأرض. ضمن الذين سقطوا وتعالت صيحات الاستغاثة.. وفى ثوانى قصيرة انتهى كل شئ ليحدث سكون عظيم وحركة مستمرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من المصابين.

(7) شعر فيكتور بيد ترفع رأسه من على الأرض وبذل مجهود لا يوصف لكى يقع بصره على هذا الشخص فإذ به أبونا جرجس.. شعر فيكتور بسلام وهو فى حضن أبيه الروحى.. وشخص ناحيته قائلاً فى هدوء: "اخبر والدىَّ إنى كنت أتمنى أن أكون معهم. لكن الله يريدنى ثم نظر ناحية شرقية الكنيسة قائلاً إنى أرى شفيعى البطل مارجرجس يقبل علينا ويشير إلىَّ قائلاًَ هلمَّ معى. سلام يا أبى وأغمض عينيه وأسلم الروح.

(8) من مذكرات فيكتور تحت تاريخ نفس اليوم 12/2/1997 هذا لن يكون يوماً عادياً على كل الأحوال اختم يارب على يومى بالبركة.

(9) كتب فيكتور إهداء لأحد أصدقائه على هدية قائلاً. إذا كان حب الله يغمرنا بهذه الطريقة على أرض الشقاء.. فكم يكون فى الأبدية؟!
(10) من مذكرات فيكتور قبل هذا التاريخ بعشر سنوات
اعطنى يا إلهى أن يكون لى شرف الشهادة على اسمك.. وأن أظل بتولاً كيف؟.. لا أعلم..رتبها أنت.. وأنا أثق ..آمين
------
+ القصة مهداه إلى أرواح الشهداء الأطهار ضحايا الحادث الإرهابى الغادر بكنيسة مارجرجس بالفكرية (أبو قرقاص) يوم الأربعاء 12 / 2/ 1997م
+ كتبت فى 17 / 2/ 1997م.

ليلة العيد

(1) - اصحى يا مينا.. قوم يا حبيبى.
هكذا نادت الأم ابنها الصغير (مينا) صاحب السنوات الست ليستيقظ من النوم. فاليوم هو ليلة العيد. ولابد من الذهاب للكنيسة صباحاً لتحصل على شئ لابنها من لجنة (أخوة المسيح) رغم أنها لم تفرح كثيراً عندما كتب أبونا أرميا أسمها ضمن كشف الأسماء التابع لأسرة إخوة المسيح واعتذرت لأبونا بأنها غير محتاجة وأن (ربنا بيبعت) إلا أنها لم تستطع أن تثنى أبونا عن قراره فى كتابة اسمها فى كشف إخوة المسيح - فهى ليس لها أحد يعولها هى وابنها مينا. بعد وفاة زوجها الذى كان يعمل باليومية، ولذلك لم يترك لهم أى شئ سوى قلب الله الرحيم وغرفة بحمام فى دور أرضى. لذلك يجب أن تأتى إلى الكنيسة صباحاً لتأخذ نصيبها الذى أرسله لها السيد الرب فى شكل إعانة. هكذا قال أبونا أرميا لها، ولذلك فهى لم ترفض طاعة لأبونا من جهة ومن جهة أخرى أنها لم تكن تعرف كيف ستقضى العيد.. عموماً هى لم تفقد لحظة واحدة إيمانها بالسيد الرب الذى يعطى الجميع بسخاء، ولكن كل ما يهمها فى الموضوع - مينا فهو عندما يرى الأطفال فى الشارع يوم العيد يرى الملابس الجديدة والأحذية اللامعة والنقود ذات الفئات المختلفة - يسأل والدته فى بساطة قلب. لماذا لا يوجد عندنا عيد مثل هؤلاء الأطفال؟ فالعيد هو هذه الأشياء فى نظره.
فتجيبه أمه وكلها إيمان وثقة (أن هذه الأشياء يا مينا هى قشور العيد. وإنما العيد هو بركات وهبات لا يراها أحد). وتبدأ تشرح له قصة العيد وسبب الاحتفال به وبركاته وكيف نستفيد به. مما جعله فى هذه السن الصغيرة يحمل إيماناً ومفاهيماً لا يدركها الكثيرين من الرجال والنساء الكبار.

(2) خرجت الأم مع ابنها من منزلهما الصغير فى طريقهما للكنيسة. وهى رافعة قلبها للرب يسوع أن يسهل الأمور كما يرى. كانت الكنيسة ليست بعيدة، ولكنها مع ذلك ليست قريبة.. لأنها كانت تقطع المسافة سيراً على قدميها.. لذلك فقد وصلت الكنيسة بعد جهد..، ومع ذلك كان الوقت ما يزال مبكراً بعض الشئ - حوالى العاشرة صباحاً- ووجدت هناك بعض الأشخاص والأطفال- استشفت بفطنتها أنهم من إخوة المسيح.. كانوا يجلسون أمام مكتب الرعاية بالكنيسة..، ومع أن الباب مغلق. لكنهم فى جلستهم حرصوا على أن يكونوا ليسوا ببعدين عنه أكثر من خطوة واحدة فقط، وذلك لأمر لم تستطع أن تعرفه.

(3) ذهبت الأم فى صحبة طفلها إلى حيث مبنى الكنيسة.. فوجدت أن البابا مغلقاً فصلَّت أمام الباب الصلاة الربانية ورجعت فجلست مع الجالسين وانتظرت، وتزايد العدد إلى حوالى خمسة أضعاف. الساعات تمر.. حرارة الشمس تزداد آكلة فى طريقها كل ظلال المبانى حتى جاءت ووقفت فوق رؤوس الجميع ولا أحد يستطيع أن يعترض على تصرفاتها القاسية معهم.. ولا شئ يمنع أشعتها الملتهبة عن الوصول إلى رؤوس الأطفال والكبار.. لا تذمر.. ذلة الفقر تكسر النفوس. الكل فى امتثال عجيب.. وضع أغلب الموجودون أى شئ على رؤوس أولادهم الصغار لحمايتهم من بطش الأشعة التى تعلمت قسوتها من الإنسان الذى لم يستنكف من بناء حجرة الرعاية فى مكان منفرد فى الخلف حتى لا يتضايق روَّاد الكنيسة من (الهاى لايف) من منظر ملابس إخوة يسوع ويعزفون عن الصلاة فى الكنيسة ظناً منهم أنها كنيسة دون المستوى.. عند ذلك تحرم الكنيسة من دعمهم لها.. عموماً ها هو شخص قادم من بعيد..

(4) كانت الساعة قد جاوزت الثانية عشر ظهراً عندما جاء العامل المسئول عن تنظيف الكنيسة ليفجر المفاجأة أن الأستاذ (صالح) المسئول عن خدمة إخوة المسيح يتعذر عليه الحضور الآن، وذلك لسبب لا يعلمه أحد ولكنه سوف يكون متواجداً بمكتبه فى حوالى الخامسة مساءً، ولذلك على الجميع أن ينصرف كل منهم إلى حال سبيله..، وعندما قرر بضعهم الانتظار هذه الفترة.. نظر العامل إليهم شذراً بنظرات ملأتها القسوة وعدم الرحمة قائلاً بأنه سوف يغلق الكنيسة، ولا يريد أى فرد منهم متواجداً بالداخل كانت كلماته المسترسلة منه فى عدم اكتراث بهم تخرج كما الشتائم..، وهذه هى الطريقة التى يتعامل بها معه الأستاذ (صالح) ولابد لهذا العامل أنم يجد له من يسقط عليه كل ما يجرى له من إهدار لكرامته.

(5) لملم معظم الحاضرين خيبة الأمل بسرعة وقاموا لينصرفوا لا يعلم أحد - غير الله - ما فى نفوسهم وما تحتويه قلوبهم من هموم وأحزان وحاول البعض النهوض من مجلسهم.. فكأنما قد وُضعت على أكتافهم أثقالاً وأثقالاً على همومهم فزاد الحمل فوق احتمال طاقتهم المحدودة فعجزوا، وفشلت محاولة النهوض.. فكرروا المحاولة مستعينين بقوة من الله الذى أنهضهم بسرعة ليحميهم من نظرات العامل الذى كان يقف فى حالة ترقب ليشعل معركة دامية مع من يحاول التملص من فكرة المغادرة عندئذ قال مينا فى بساطة لأمه (تعالى نروَّح يا ماما. ونيجى بعدين) ولم يكن فى وسع الأم الحزينة أن تجيب أو أن ترفض فتحركت فى تثاقل فبدا كما لو كان ابنها يجرها جراً. كانت قد عقدت الآمال على أنها قد تجد (لمينا) شيئاً يستطيع أن يرتديه فى العيد. فتوفر عليه آلام اليتم بعض الشئ. وآلام الفقر أيضاً- فى طريق عودتهما للمنزل كان مينا ينظر لوالدته وهو لا يدرك ما سبب حالة الضيق التى تملكت عليها ورأى أنه من واجبه فى غياب والده.. أن يخفف عنها هذا الضيق فقال لها فى براءة وحب (كل سنة وأنى طيبة يا ماما).. هنا أفاقت الأم من غمرة أحزانها.. ونظرت لابنها فى فرح وردت عليه فى بشاشة (وأنت طيب ياروح ماما) ثم طبعت فوق خديه الصغيرين. قبلتين ضاغطتين جعلتا وجهه يحمر خجلاً وفرحاً معاً .

(6) فى المنزل أيضاً - ورغم اتكالها على الرب - لم تقو الأم على الخروج من حالة التفكير التى كانت عليها قبل ذلك وهنا سألها (مينا) عن سبب ضيقها.. فردت عليه بكل همومها. كأنما قد رأته أمامها رجلاً يافعاً يريد أن يرفع من على عاتقها عبء المسئولية، ولعلها قالت له كل شئ فى صراحة لعلمها المسبق أنه لم يفهم ما تقصده، ولكن لمجرد الفضفضة لتستريح وفوجئت به يقول لها فى جدية أدهشتها (يا ماما مش هو ده العيد.. دى الحاجات دى قشر العيد.. أنا عاوز آكل العيد ومش هزعل على القشرة لو ضاعت منى) ضحكت الأم من قلبها على إيمان ابنها الصغير وأدركت أن ما غرسته بدأ ينمو فى قلبه ونسيت الأم كل أحزانها وقامت فأحضرت طعاماً لابنها فأكلا معاً.. وتعزَّى قلبها.

(7) فى الخامسة مساءً كانت الأم قد ارتدت ملابسها هى وابنها، وكانا فى طريقهما إلى الكنيسة من أجل حضور قداس ليلة العيد.. وكانت فكرة المرور على مكتب الرعاية مازالت تداعبها، وعندما وصلا للكنيسة كانت مفتوحة الأبواب مزينة كعروس لرجلها. تتلألا بالأنوار.. وقد مُدَّت الأبسطة الملوكية الحمراء فى كل طرقاتها ووضعت الستائر الجديدة المطرزة بأحلى الألوان وأجمل الصور وأزيلت كل الأتربة عن الأيقونات الكنسية.. فبدت كما لو كانت جديدة.. ونصبت الشاشات العملاقة لنقل الصلوات من داخل الهيكل للمصلين فى خارج الكنيسة حيث أعدت الخيام ووضعت لها الكراسى الأسفنجية والأضواء الملونة والمراوح للتخفيف من حدة الحر على جموع المصلين المتأخرين ووقف فى نظام حوالى مئة شاب وشابة وفتى وفتاة يرتدون ثياب موحده يقف أمامهم الخادم المسئول يشرح لهم لآخر مرة كيف سيسير النظام فى هذه الليلة وما هى الطرق المختلفة للتعامل مع المشاكل المتعددة التى قد يتعرضون لها كأعضاء فى أسرة النظام. وكان صوت معلم الكنيسة يدوى محدثاً صدىً جميلاً عبر الميكرفون فى الكنيسة الخالية من المصلين بتسابيح ليست عربية لها نغمات جميلة رغم أنها غير مفهومة.

(8) لما رأت الأم أن القداس لم يبدأ بعد. قررت الذهاب لمكتب الرعاية فى محاولة أخيرة.. فوجدته مفتوحاً لا يوجد أمامه شخص واحد.. دخلت فى حياء شديد بعد أن طرقت على الباب المفتوح.. كان الأستاذ صالح أمين الخدمة الخاص برعاية إخوة الرب جالساً على كرسى خلف المكتب ولضخامته بدأ كما لو كان جالساً فوق المكتب وقبل أن تنطق بكلمة واحدة.. فوجئت به فى تحفزه وكأنه ينقض على فريسته بصوته الأجش قائلاً :
* أأأ أفندم؟
- أنا - باعتنى .. أبونا
- أبونا مين ده؟
* أبونا أرميا..
- خير إن شاء الله
* هو قال لى.. إنه كتب اسمى فى أسرة أخوة المسيح.. علشان..
- هيكون علشان إيه يعنى؟..عشان عايزة مساعدة طبعاً. مش كدة؟
* أنا بس لو فى حاجة للولد.. عشان.
- متأسف.. العيد ده مش ممكن لأن الحاجات خلصت.
لم تجد ساعتها الأم كلمات لترد بها فالإجابة صريحة.. ولت ظهرها خارجة من المكتب وهى لا تعرف.. هل هى فى غيبوية أم أنها قد هوت فى بئر عميق لا قاع له.. وفى خروجها التقطت أذنها كلمات قلائل من فم الجالس خلف المكتب (ميروحوا يشتغلوا.. بدل ما يشحتوا) فكانت كلماته كالقذيفة الخارجة من مدفع متخصص فى تدمير الأهداف الحيوية بكل بساطة ويسر هنا أدركت لماذا لم تجد شخص واحد أمام المكتب.. تمالكت نفسها بصعوبة وكتمت دموعها حتى لا يراها ابنها الصغير. وأخذته من يده.. لكى يقودها للكنيسة.. التى وجدت بها بعض المصلين قد اتخذوا أماكنهم بالفعل فيها.. جلست مع ابنها فى إحدى المقاعد فى الصفوف الوسطى فى جانب السيدات.

(9) بدأ توافد روَّاد الكنيسة وبدا لها أنها جالسة فى مكان آخر غير الكنيسة فما تراه حولها يصلح لأى مكان آخر غير بيت الله ظنت نفسها تجلس إلى إحدى الموائد المستديرة فى ديفيليه لعرض أحدث خطوط الموضة لملابس وأحذية وشنط السيدات، ولكن لما رأت كل هذه الألوان التى تلون وجوه السيدات والآنسات من حولها ظنت أن إحدى الشركات المتخصصة فى إنتاج أدوات الماكياج للسيدات تقوم اليوم بتصوير أحدث إعلاناتها التجارية.. لكنها عدلت عن ظنها عندما وجدت تسريحات الشعر المختلفة والتى لم تتشابه فيها تسريحة مع أخرى.. فظنت أن أحد مصففى الشعر المشهورين قد قام بعمل كل هذه الأشكال.. كدعاية له.. وتخيلت أن تجد اسم مصفف الشعر وعنوانه على كارت معلق فوق شعر أى منهن، ولمَّا لم تجد ما فكرت فيه آثار إنتابها أن معظم الموديلات الموجودة.. والتى ترتديها السيدات فى غير خجل لا تحتوى على أكمام كمأ أن معظمهن يلبسن فساتين أخواتهن الصغيرات.. (لأنها أقصر من أن تكون ملكهن)..، ولكنها تركت ما رأت وراحت تنتبه إلى الروائح التى تتهادى إليها .. كل فترة فى خلال مرورهن عليها فظنت أنها فى حديقة مليئة بالزهور المختلفة الروائح.. ولما أحست أنه سيضيع القداس الإلهى دونما استفادة - وكذلك عندما لاحظت نظرات غريبة من كل الجالسات خلفها وحولها وكأنما هى من كوكب آخر - حملت ابنها ورجعت إلى الصف الأخير من الكنيسة.. لئلا تكون عثرة لأحداهن.. واستغرقت فى الصلاة دون أن تشعر بأى نوع من التذمر أو الدونية.
(10) كان كل ما يهمها فى الموضوع، ويشغل لها بالاً (مينا) وها هو مينا يكاد يطير من الفرحة من جمال منظر الكنيسة منظر الكهنة والشمامسة والألحان الجميلة المدوية والنغمات المتعالية ورنات الدف والتريانتو وجو الحب والدفء فى الكنيسة مدركاً تماماً أن هذا هو العيد فعلاً..
(11) وانتهى القداس وفى طريق العودة للمنزل.. وجدت الأم ابنها مينا وهو يبتسم لها فى حبور وبشاشة معطياً إياها ظرفاً صغيراً وهو يقول كل سنة وأنتى طيبة يا ماما.
* إيه ده يا مينا؟
- مش عارف.. لما دخلت أتناول واحد إدانى الظرف ده وقال لى إيديه لماما وأنت مروح فى السكة فتحت الأم الظرف..، وكان المفاجأة، وجدت به مبلغاً من المال. لا يكفى لقضاء العيد فقط بل أيضاً يعولها مع ابنها فترة طويلة. حاولت أن تعرف من ابنها من هو هذا الشخص فلم يستطع أن يفيدها فى شئ.. لم يكن الأمر كله يهمه.. كل ما كان يهمه هو شعوره أنه سعيد وفرحان لشئ لا يعرفه.. وكيف لا يعرفه وهذا هو العيد.

(12) شكرت الأم الرب على رعايته لها.. ورن فى أذنها صوتها لأبونا حينما قالت (ربنا بيبعت).. وطأطأت رأٍسها فى خجل.

-----------
- كتبت فى عيد القيامة المجيد 5/5/ 2002