‏إظهار الرسائل ذات التسميات المجموعة القصصية الثانية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات المجموعة القصصية الثانية. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 6 أكتوبر 2008

سر الراهب الصامت


أتسأل عن الأب الشيخ !! ؟؟
لا أحد يعرف على وجه الدقة . سر هذا الأب فهو قليل الكلام . أو قل ولا حرج عديم الكلام . أكثر من نصف قرن فى الرهبنة على نفس المنهاج . لا تغيير . ولا تعديل . إنه وديع ومحب جداً . يعيش حياة الهدوء و السكون – وبرغم ذلك لم يسلك مسلك الأباء المتوحدين – ورغم كونه يحيا الحياة المجمعية مع الآباء إلاّ أنه لم يتخل لحظة واحدة عن طريقته الهادئة التى تجعلك بمجرد لقياه - ولو عن بعد – تشعر بالهدوء النفسى و الطمأنينة .

أباء الدير نفسهم لا يعرفون عنه الكثير . فقط أب شيخ جاوز الثمانين عاماً. لا يتكلم مع أحد – حتى مع طالبى الإرشاد من الرهبان أو العلمانيين - منهج منفرد . يحضر جميع الصلوات المجمعية ولا يقصر أبداً فيها – حتى فى أوقات مرضه – لا يزوره أحد ولا يزور أحداً. قد تقول لى أن هناك الكثير من أباء الدير يسلكون نفس الطريقة أقول لك أنهم لا يلفتون النظر مثل هذا الأب الشيخ فبمجرد رؤيتك له تعرف منهجه . فيكفيك عندئذ ٍ نظرة من عينيه الوديعتين . فتحظى بمأربك منه وتمض إلى حال سبيلك فرحاً .

ما جعل أباء الدير يفكرون بوجود سر ٌ ما فى حياة ذاك الأب الوقور ذلك التصرف الذى كان يكرره على فترات متباعدة .
كان هذا الأب يخرج من قلايته أوخلوته ليتجول فى ربوع الدير فى كل مكان – كأنما يبحث عن شخص بعينه – وبعد فترة من التجول تراه وقد وجد ضالته . فهو دائماً ما يهتدى إلى شخص بعينه . قد يكون هذا الشخص عاملاً أو زائراً .رجلاً أو امرأة . شاباً أو شابة . كنا نرى ذلك الأب الصامت وقد انتحى به جانباً وجلسا معاً يتحدثان .على الرغم من عدم معرفتهما سابقاً .ودائماً ما تكون مدة الحديث ملفتة للنظر فهي غالباً ما تتجاوز الخمس ساعات و أحياناً ما كانت تحدث بعض المشاكل بسبب تأخير خروج بعض الرحلات من الديرومع ذلك لم يعترض أحداً على ذلك فربما كان ذلك الشخص يطلب كلمة منفعة . ولكن كيف ذلك ؟ فالمعروف أن هذا الأب لا يتكلم مع أى أحد . ثم هل تستغرق كلمة منفعة كل هذا الوقت . أسئلة كثيرة كانت تتناثر هنا وهناك بين الجميع رهباناً و زواراً ولا أحد يستطيع أن يجمع لها إجابة واحدة منطقية تشفى العليل ولكن أحداً لم يسأل هذا الأب ...... إلى أن جاء ذلك اليوم .

فبعدما ضرب ناقوس الدير معلناً عن بداية التسبحة خرجت أنا كعادتى من قلايتى متوجهاً للكنيسة . وبعد أن اتخذت مكانى بين آبائي الرهبان دخل ذلك الشيخ الوقور بعدى فى خطوات بطيئة . وإذ به ولأول مرة أمام الجميع يأتى بتصرف لم نعتد عليه من قبل . فبعد أن صافح الأب رئيس الدير . همس فى أذنه بشىء ما . وهنا ورغم بُعد المسافة بيننا رأيت انتفاضة جسد الأب الرئيس و رأيت ملامح وجهه المنبسطة مع دقات الدف و التريانتو وألحان التسبحة الجميلة تأخذ فى الإنكماش شيئاً فشيئاً ورأيت على وجهه مئات من علامات الاستفهام .

رأيت الأب رئيس الدير وقد همس أيضاً فى أذن أبى الشيخ الوقور وهنا – ولأول مرة أيضا ً – أرى أبى الشيخ يلتفت ناحيتى وقرأت اسمى على شفتيه ورأيت حركة وجه أبى رئيس الدير وهو يتحرك فى بطء من ناحية فم أبى الشيخ إلى ناحيتى . ساعتها فقط علمت أن هناك أمر ما يتعلق بى . فإذا باللحن لم يقوى على الخروج من فمى بعدما كنت مندمجاً بحماس فى التسبحة وقفت كتمثال فى انتظار أن يحدث شىء ما فلم يحدث . فالأب الشيخ عاد فوقف فى مكانه المعتاد والأب رئيس الدير تابع صلواته فى هدوء .

أما أنا فقد غرقت فى دوامة من الأفكار لم أستطع منع نفسى عنها ... لابد وأن أبى الشيخ يشكو منى فأنا دائماً ما أتابعه بنظراتى كلما رأيته مقبلاً نحوى حتى يختفى من أمامى تماماً ... لابد وأنه قد تضايق من هذا التصرف .. كانت الأفكار ترتسم أمامى أحداثاً سوف تتحقق بعد القداس .
( سيقوم الأب رئيس الدير باستدعائى و توبيخى على مثل هذا التصرف الذى لا يتفق مع الأخلاق الرهبانية ) .
يا خطيتى لى حتى الآن عامان فى الزى الرهبانى و لم أستطع التخلص من عاداتى الرديئة . يا رب ارحمنى . وتزاحمت بى الأفكار من كل جانب حتى شعرت بنفسى أختنق و تمنيت لو وقفت وسط الأباء و صرخت بأعلى صوتى . أخطيت سامحونى . و لكنى حاولت التماسك بقدر الامكان إلى نهاية القداس و قد كان .

بعد القداس مباشرة ً طلبنى الأب الرئيس كما توقعت و فجّر أمامى مفاجأة لم تكن لتخطر لى على بال البتة . قال لى : ستذهب مع أبونا الشيخ ( كما كنا نسميه ) فى مهمة عاجلة إلى العاصمة . جهز نفسك ستسافران الآن .. و كأنه قد شعر بهول ما أصابنى من مفاجأة فعاد ليكرر الكلمات كلمة كلمة و بهدوء حتى أستوعب .هنا انتقلت علامات الاستفهام من وجه أبى إلى وجهى و ذهنى . فرآها ورد عليها بكلمات لم تزيلها و لكن زادتها .
قال لى : أعرف ما ستقول .. أنا لا أعلم أكثر من هذا عن الموضوع .. اذهب فاستعد .

لا أتذكر كيف عدت إلى قلايتى و لا كيف كان استعدادى . كل ما أتذكره بعد ذلك هو أنى كنت مع أبى الشيخ فوق عربة المياة فى طريق خروجنا من الدير . كان صوت محرك السيارة يكفى لايقاظ ميت مات منذ سنة إذا مر بجانبه . ومع ذلك لم أسمع منه شيئاً فقد كان هناك طنين يسد آذانى لا أعرف له سبباً أو قل أن الأفكار داخل رأسى كانت فى اندفاعها و كثرتها أكثر بكثير من أى صوت آخر يستطع أن يشدنى . لذلك فقد كنت كالمشدوه لا أبدى أى نوع من الاستجابة لأى مؤثر خارجى .

.. .. وأخيراً .. .. وصلنا العاصمة . و عندما أقول أخيراً لا أقولها اعتباطاً . أو إيجازاً و إنما أقولها بصدق لأننى أثناء هذه الرحلة ما كنت مصدقاً بوجود نهاية سنصل إليها . و لا أبالغ إن قلت بأنه كان هناك من يتعقبنا واضعاً أمامنا العراقيل ليمنع وصولنا . كيف لا والأمور تزداد تعقيداً كلما سرنا فى أى مكان ووضحت أمامى جلية ساعتها مكائد المعاند عدو كل خير ، و تمنيت ساعتها أن أراه وجهاً لوجه لكى أفتك به . ولكن أبى قال لى ساعتها : يا ولدى إن حيل المضاد لا تُقهر هكذا بل بالصلاة و الجهاد المستمر و الإحتماء فى المراحم الالهية .

وصلنا ! و لكن أين وصلنا !؟ فأنا لم أكن أعرف هدفنا المراد الوصول إليه ، و إنما كنت سائراً مع أبى الشيخ فى صمت أتبع ارشاداته للطريق فى تعجب كبير فحتى لو كان أبى قبل رهبنته من سكان هذه المنطقة فكيف تسنى له أن يعرف الطريق بهذه السهولة بعد مرور أكثر من نصف قرن على تركه لها .

وصلنا إلى كنيسة تقع فى إحدى الأحياء الراقية جداً بالمدينة ودون تفكير منى أخذت بيد أبى الشيخ المستند علىّ و هممت بدخول البيعة و لكنى فوجئت بأبى يقول لى أن أجُلسه على أحد المقاعد الحجرية أمام البيعة على الجهة المقابلة فرضخت فى عدم تعجب فبعد كل ما مر بى مع ذاك الأب و كثرة تعجبى أصبح التعجب و الاندهاش و المفاجأة هو الشىء الطبيعى و أصبح غير الطبيعى أن يحدث أمراً عادياً .

جلس أبى و جلست إلى جواره ، مضى نحو ثلاث دقائق لا أكثر ثم قال لى : اذهب إلى ذلك الشخص الواقف أمام البيعة و قل له ( فلان ) يطلبك . و لمّا نظرت إليه باستفسار – لأنه كان يوجد أكثر من عشرة من الشباب يقفون هناك – حدده لى باسمه ووصف ملابسه وطلب منى احضاره إليه .. و لم تتملكنى الدهشة من معرفته لاسمه ولكن ما حيرنى ساعتها ، كيف سأقتحم هذا الجمع من الشباب فقد مرت دقائق فقط وهم أمامى لم أسمع فيها كلمة عادية . فقد كان حديثهم ساعتها بكلمات لا تقو الأذن على سماعها من بذاءتها و دونيتها . و من يضمن لى أنهم لن يأخذونى موضوعاً للتهكم و ربما ينالنى منهم شيئاً أكثر من ذلك . دارت هذه الأفكار برأسى و قبل أن أنطق بكلمة نظر إلىّ أبى الشيخ بعمق و قال لى : اذهب ولا تخف الرب معك ، هنا داخلنى شعور قوانى كثيراً فاتجهت إلى ذاك الشاب بعينه فى خطوات ثابتة و فى اقتضاب قلت له : الأخ فلان ؟ فنظر إلى ّفى شبه ذهول و عجب و أومأ بالايجاب فأكملت قائلاً له : أبونا ( فلان ) عاوزك .. .. .. هنا التفت إلى الجهة الأخرى فرأى أبى الشيخ جالساً هناك فى هدوء فأجاب بسرعة . حاضر .
ثم عبرنا الشارع سوياً فسلّم على أبونا الشيخ و هو يملكه العجب أيضاً . فقال له أبى بهدوء وابتسامة يتخللها بعض الفرح و البهجة : أقعد يا ولدى . وقبل أن أتحرك من مكانى قال لى أبى : ادخل يا أبونا إلى الكنيسة و صلى القداس مع أبوك الكاهن و أذكر ضعفى فى صلاتك و أذكر أخونا ( ذكراسم الشاب ) و انت بترفع الحمل .

و لم أجب بشىء بل تحركت متثاقلاً إ لى الكنيسة و الأسئلة أيضاً تدور برأسى كالدوامة فى وسط البحر( كيف لى أن أترك أبى الشيخ هكذا دون رعاية . و مع ذاك الشاب غير الملتزم . وفى الشارع . وكيف لى أن أقتحم كنيسة دون سابق معرفة . و أصلى القداس فيها . و أرفع أنا الحمل .. و... و.. ) و لكن طاعة لأبى لم أرفض بل نفذت ما طلبه منى
العجيب فى دخولى للبيعة .أن كاهن البيعة إستقبلنى فى ترحاب و سلّم علّى باسمى و سألنى أخبارى و أنا فى ذهول ( فأنا لا أعرفه فكيف يعرفنى هو! ) و لم أسأله بالطبع فقد كنت أعرف بالطبع أن ذلك ضمن مسلسلة الغرائب التى أعيشها مع أبى الشيخ منذ خروجنا من الدير .

انتهى القداس , و لكن أيضاً بعد شىء من التعب فقد كانت نظراتى معلقة بالخارج طوال القداس فى انتظار دخول أبى و لكن هذا لم يحدث ففى نهاية القداس و بعد صرف ملاك الذبيحة رأيت ذلك الشاب الذى تركته مع أبى بالخارج مقبلاً نحوى و قد تغيرت ملامحه كليةً فقال لى : أبى الشيخ يطلبك بالخارج فسلمت على أبى الكاهن و انصرفت خارجاً من البيعة بعد أن أعطانى ( لفة ) كانت موضوعة فى الهيكل الجانبى وعندما خرجت لأبى لم يتكلم معى بل نظر إلىّ قائلاً هيا بنا يا ولدى لنعد من حيث أتينا .

فى طريق العودة جلسنا جانباً مرات قلائل فكنّا نتناول طعاماً من تلك اللفة التى كان قد أعطانيها أبى الكاهن من قبل ثم نتابع السير من جديد و قبل أن نصل الدير بدقائق قليلة حدثنى أبى الشيخ قائلاً :
+ هل رأيت ذاك الشاب الذى تحدثت معه ؟
- نعم يا أبى .. ما له ؟
+ كان ذاك الشاب هو أنا .
- كيف ذلك يا أبى ؟
+ كانت حياتى قبل دخول الدير مثل حياته تماماً . كنت القائد لمجموعة من الشباب لم نكن نعرف شيئاً عن الله أو الكنيسة سوى الوقوف أمامها و السخرية ممن يدخلونها لم نكن نحترم كهنوت أو كبير أو صغير أو عاجز أو طفل أو إمرأة . كنّا بلا هدف بلا مرشد بلا معرفة نتصرف.
( ثم حدث معى مثل ما حدث أمامك اليوم تماماً ) بعدها تركت العالم إلى الدير و كانت تلك الجلسات التى تسألون عنها فى الدير كتلك الجلسة التى جلسها معى أبى الشيخ الكبير منذ أكثر من خمسين عاماً و مثل جلسة اليوم أيضاً . إنها رسالة توبة يا ولدى وصلتنى و يجب علىّ أن أبلغها كما وصلتنى هذا هو الشرط .
- اسمح لى يا أبى .. هناك أشياءاً كثيرة أود معرفتها
+ أتقصد كيف عرفت الطريق ؟ و كيف عرفك الأب الكاهن ؟
- وما سر اللفة ؟ و كيف كنت تهتدى إلى من تكلمهم ؟ و ماذا كنت تقول لهم ؟ .. و .. و..
+ يا ولدى لا تتعجل الأمور . كل هذه الأشياء و أعظم منها سوف تعرفها فى المستقبل عندما تزداد علاقتك بفاديك الذى يعطى لأولاده ما يطلبونه و أكثر بكثير .

ثم سكت أبى برهة قصيرة ثم قال لى إن ما قلته لك الآن يا ولدى سراً . لا تقوله لأحد البتة لقد قلته لك بسماح من الله كمكافأة لك على تعبك معى فى هذه الرحلة و اعلم يا ولدى أن :

الله يرسل رسالته لكل إنسان بالطريقة التى تلائمه و بالأسلوب الذى يقبله
إعِلم ذلك وعلّمه

ثم وصلنا الدير بعد غياب حوالى ثلاثة أيام لم يذق فيها أبى الشيخ طعم الراحة أو النوم . أما أنا فقد كان نومى متقطعاً فى المواصلات التى استقليناها و لذلك فقد وصلت الدير و أنا أشعر بثقل شديد و حاجة ماسة للنوم فبعد أن سلمّنا على رئيس الدير أوصلت أبى إلى قلايته ثم دخلت إلى قلايتى و صليت قليلاً و رحت فى سبات عميق .

إستيقظت فى صباح اليوم التالى على دقات جرس الكنيسة و هى تدق دقات حزينة متتابعة فادركت بإنتقال أحد الأخوة و لمّا خرجت من قلايتى كانت المفاجأة فقد كان المنتقل (أبى الشيخ) ساعتها أصابتنى حالة من الذهول و البكاء المستمر
بكيت كثيراً كما لم أبكِ من قبل . بكيت أكثر مما بكيت على والدىّ المنتقلين . لقد كانت رحلتى مع أبى الشيخ أسعد أيام حياتى رغم كونها أتعب أوقات رأتها عيناى .
لم أصدق ما سمعتُ لذلك فقد هرعت إلى قلاية أبى الشيخ و عندما دخلت وجدته ممدداً على فراشه الفقير فى جانب قلايته مغمض العينين ووجهه يشع بنور سماوى عجيب فركعت بجانبه و الدموع تنساب منى بلا انقطاع فاحتضنته و قبلّت يديه ووجهه . و دارت فى مخيلتى كل كلماته و تحركاته و ايماءاته فازددت بكاءاً و جلست إلى جواره قائلاً : لا تتركنى يا أبى .. .. لا تتركنى يا مُعلمى . و لم أكف عن البكاء طوال ثلاثة أيام عقب نياحته فقد كانت ذكرياتى مع أبى محفورة فى ذاكرتى . لا تغيب عنى مطلقاً .

فى نهاية اليوم الثالث و كنت أصلى صائماً لم أذق شيئاً منذ رحيله و فى نصف الليل و جدت أبى داخلاً إلىّ فى قلايتى كما كنت أراه على الأرض و لكنه اكتسى بلباس سماوى تحوط به غلالة رقيقة من النور المبهج للنفس . فنظر إلىّ مبتسماً و قال : لماذا تبكى ..؟ ؟ لا يوجد وقت للبكاء .. قم سريعاً .. فأكمل توبتك .. ونادى لأخوتك بالتوبة ..
فالمكافأة عظيمة , و التعب يسير

و كل من يسألك عنى يمكنك أن تقول له عن السر .. .. فهو لم يعد سراً .. .. قل له :
إن أبى الشيخ
كان رسالة توبة من الله إلينا .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إلى كل من تزينوا بلباس الجهاد ... إلى من خرجوا لطريق يلتمسون فيه خلاص نفوسهم ... إلى من لا تنقطع صلواتهم من أجل خلاص العالم ... إلى من اختبروا و تلامسوا وعاشوا مع الله ...
إلى كل أباء البرية ... نهدى هذه الفكرة .

سامِـح قد سامَـح


سامح ذاك الطفل المؤدب – الذى كان محبوباً من الجميع – لم أكن أنا أحبه . لماذا ؟ لا أدرى . كان شعورى دائماً من نحوه إمّا الحقد والغيرة أو الغضب والرغبة فى تحطيم ذاك الذى يسرق الأضواء دائماً كلما تواجد فى مكان .
كنّا سوياً فى فى نفس الفصل فى مدارس الأحد , وكان - دون غيره - دائماً ما يحظى بكل الإهتمام من كل الخدام . كان بعضاً من أصدقائى يشعرون بالغيرة منه , وأما أنا فقد كنت أحترق من النار المشتعلة فى صدرى تجاه ذاك الإنسان حتى وصل الأمر بى إلى عدم الإحتمال ,وقررت أن افعل شيئاً لأطيح به من أمامى .

لم يكن هناك عيباً فى سامح , فهو طفلاً مثالياً بكل المقاييس , يتعامل مع الجميع – ومنهم أنا وكل الحاقدين عليه – بكل لطف وهدوء ومحبة حسب طبيعته الهادئة ودون تكلُّف .كنت أعلم كل هذا ومع ذلك لم أستطع منع نفسى من كرهى له وحقدى عليه .

وبالفعل بدأت فى إثارة رفقاء السوء الآخرين ضده. إلى أن إجتمعنا فى أحد الأيام فى جلسة عُقدت تحت قيادتى بإشراف عدو الخير الذى كان يُشعل فىّ ناراً كانت تخرج مع الكلمات فتلهب الآخرين أمامى . ووضعنا خطة طويلة المدى الغرض منها ( الإنتقام من سامح ) وذلك بتلويث سمعته ووضعه موضع المتهم أمام الجميع عن طريق تدبير المكيدة تلو الأخرى له فى كل مكان يذهب إليه سواء فى الكنيسة أو المدرسة أو النادى وكل مكان معروف فيه .

بدأت الأمور بداية حسنة وكانت الفرحة الشيطانية تملكنا جميعاً متباهين بالخطة الموضوعة وأنه ليس بمنقذ من أيدينا .. .. ولكن .. ..
خابت آمالنا التى كنّا نحلم بها . فقد فشلت كل خططنا ونلنا جزاء ما دبرناه وبقى سامح كما هو بل وأفضل مما كان ..

{ دارت كل تلك الأفكار فى ذهنى وأنا أقترب من أبى الراهب . الذى علت وجهه إبتسامة ملائكية عندما رآنى . ثم إحتوانى فى حضنه فانحنيت على يده أُقبلِّها ودموعى قد بللت خدىّ . وأنا أقول : سامحنى يا أبى .. أما هو فقد نظر إلىّ وإبتسامته لم تفارقه ثم قال لى : إطمئن يا ولدى .. .. سامِح قد سامَح }

نعم .. فقد كان أبى الراهب .. هو .. هو .. سامح .

لـن يخـدع الـلـه


كان ينقصه الجناحين ليصير ملاكاً .. إنه فعلا ًملاك .. ولكن بدون أجنحة .. كان دائماً ما يخفى فضائله .. حتى لا تُنهب .. من شيطان المجد الباطل .. كان متواضعاً جداً .. وديعاً ومحباً .. به كل الصفات الجميلة .. التى يتمنى الجميع أن يحصلوا عليها .. كهبة مجانية دون تعب أو عناء .. لا تمر مناسبة كنسية .. إجتماعية أو عائلية .. إلاّ ويتطرق الحديث إليه .. والجميع دون إستثناء .. يضعون فوق هامته .. أكاليل الثناء والتقدير .. سواء فى وجوده أو عدمه .. ولِمَ لا وهو بالحق .. إنسان قديس .. مجاهد حقيقى .. ومن لا يعترف بذلك .. فهو إنسان جاحد .. وليس الحق فيه .

( دارت هذه الأفكار فى رأس الزوجة الحزينة , ولم تجد أمامها شيئاً تفعله حيال ذلك , سوى أن تمسح دموعها المنهمرة من عينيها فى غزارة كما الأمطار الجارفة فى ليلة من ليالى الشتاء حالكة السواد قارصة البرد )

ترفع سماعة التليفون .. تبحث عن حرارة .. لعله غير الإنسان .. لعله يحس بما هى فيه .. لا حرارة .. لا صوت .. السكون لا ينقطع .. حتى أنت ؟ .. وضعت السماعة .. تحركت من مكانها .. متثاقلة .. لا تدرى أين تذهب .. ساعة الحائط دقت .. تنظرفى تلقائية .. ناحية الصوت .. العاشرة والنصف .. تلقى نظرة عبر النافذة .. الظلام دامس .. لا قمر .. لا نجوم .. فقط غيوم .. كآبة تملكتها .. لا بشر .. صوت كلب ينبح ..

تركت ذلك .. دخلت المطبخ .. لا تعرف ماذا تفعل .. حركات تلقائية .. تضع الأطباق المتسخة فى الحوض .. تمسك بالصابون .. لا تركيز .. ذهن شارد .. أخشى أن يخدعك أنت أيضاً .. يارب إرحمنى .. خلاص تعبت .. تترك كل شىء .. تخرج للصالة مرة أخرى .. نظرها معلق بالساعة .. مرت خمس دقائق .. الإنتظار يقتلها .. ماذا سيحدث ؟

جرس الباب .. تجرى مسرعة .. أبونا .. أخيراً .. الحمد لله .. إتفضل يا أبونا .. دخلت خلفه .. أرجو ألاّ يخيب ظنى .. البرودة تسرى فى المكان .. كـبـايـة شـاى لـو تـسـمـحـى .. يا بنتى .. بدا تفكيراً ..لا كلاماً .. حاضر .. خرجت .. عادت .. جلست .. خير يا أبونا .. عملت إيه ؟ .. الرطوبة تنتشر .. البخار المتصاعد من الشاى .. يشد الإنتباه .. يحتضن كوب الشاى .. بكلتا يديه .. نظراتها تتابعه .. بلهفة .. يرتشف .. رشفات متتالية .. جف حلقها تماماً .. شوفى يا بنتى .. قلبها يدق عالياً .. أنا .. أنفاسها تعلو .. كلِّمت جوزك .. جحظت عيناها فى ترقب .. الراجل مش مقصَّر فى حاجة .. أصابها ذهول .. جوزك راجل مفيش زيه .. طنين سد أذنيها .. لا تسمع شيئاً .. لحية وشارب يتحركان .. لا صوت .. لا كلام .. الكلام معروف .. تعبيرات الوجه تضيق .. إحتداد .. لوم .. نصيحة .. تهديد .. نصيحة أخرى .. إستئذان .. سلام .. أين هو ؟ .. لا أمل .. الجميع مخدوع .. نظرة إلى السماء .. وأنت ؟؟

الكرسى إجتذبها .. أجلسها .. لا صوت .. تفكير .. لا أفكار .. إنتهت .. كان الحل الأخير .. غيبوبة .. عن الواقع .. هدوء قاتل .. يسبق العاصفة .. ستبدأ .. قطة فى الخارج .. تصرخ .. هناك .. إنه قادم .. إتسعت حدقتيها .. من الرعب .. لم تستطع النهوض .. إضطرب قلبها .. تضاعفت دقاته .. النافذة فُتحت .. دفعتها الرياح .. مفزع .. الباب يُفتح .. إختلط صرير الباب .. مع صوت الرياح .. الرياح تملأ المكان .. دخل ووقف أمامها .. لم تتحرك .. ماتت الحركة .. تنتظر .. صوت رعد .. يتكلم .. بتشتكى لأبونا يا بنت الـ .. لا تعليق .. إنقضاض .. محاولة هروب .. إلى أين ؟ .. إنقطع التيار الكهربى .. ظلام .. رعد .. لا رؤية .. البرق يبرق .. رعب .. أكثر من يدين .. على الوجه .. على الرأس .. على الجسد النحيل .. يمسك قدمه .. شىء أسود .. مؤلم .. جداً .. صراخ .. رعد .. أنا .. برق ..دموع .. نزيف .. أرجل تركل بعنف .. حاضر .. الأمطار غزيرة .. رياح .. الشباك الزجاجى .. ينكسر .. على الأرض بدون حركة .. إكتفى .. خرج .. أغلق الباب .. ظلام .. كل شىء إنتهى .. لا مطر .. لا برق .. لا رعد .. عاد التيار الكهربى .. تزحف .. على الأرض .. ترفع يدها .. ألم رهيب .. تمسك بكرسى السفرة .. تمسح الدم المتساقط .. من وجهها .. من أنفها .. ترفع جسدها .. لا تستطع .. تنظر إلى فوق .. تحاول .. تنجح .. الدموع كثيرة .. الدماء غزيرة .. الآلام رهيبة .. تتجه للنافذة .. الجو يصفو .. لا سحب .. القمر بدراً .. نجوم كثيرة .. السماء مضيئة .. تنظر للسماء .. شايف ؟ .. يرضيك ؟

شىء ما يحدث .. فى السماء .. ألوان .. أضواء .. تفرك عينيها .. لا تصدق نفسها .. فى السماء .. السيد المسيح .. له المجد .. إحساس جميل .. مريح .. لا ألم .. لا دموع .. لا حزن .. فرح .. متزايد .. عزاء .. صوت .. من السماء .. لن يخدع الله .. يتكرر .. لن يخدع الله .. يتكرر .. لن يخدع الله .
12/1/2003

الــمُــعــزِيّــة


قطع الرنين المتواصل للتليفون سكون الليل فهبّت الأم من نومها بفزع لترفع سماعة التليفون فى تلقائية ولسان حالها يردد - خير إن شاء الله . مين يا ترى ؟ ؟
كانت إبنتها آمال هى المتحدثة , كلمات قلائل قالتها الابنة فقامت الأم مسرعة عن فراشها وأيقظت زوجها وفى دقائق معدودة كانا قد إرتديا ملابسهما إستعداداً للخروج من المنزل بعد أن أيقظا إبنهما رفيق لينقلهما بسيارته الخاصة إلى منزل أخته لأمر عاجل جداً ..


بعد عشرون دقيقة لا أكثر كان ثلاثتهم أمام منزل الأخت يدقون جرس الباب وعند دخولهم كانت هناك مفاجأة فى إنتظارهم إذ وجدوا المكان يغط بالأقارب والأصدقاء والجيران , والجميع حول ( آمال ) فى إنتظار ما ستقول .


وجدت الأم إبنتها فى حالة سيئة للغاية فقد شحب لونها وأما عينيها فقد كانتا طائشتان فى كل صوب وجسدها يرتجف ودموع تتساقط من عينيها دون ضابط , وهى فى كل ذلك تحتضن ابنها وابنتها الصغيرين فى حضنها بقوة ولا يستطع أحد أن ينزعهما من حضنها , وكان الجميع يتحدثون إليها ويطمئنونها ولكنها لم تستمع لكلمة واحدة فحالتها كما هى .


حاولت الأم أن تستفهم عن الأمر فقال لها الموجودين بأن آمال لم تتكلم حتى الآن وهى على نفس الشاكلة منذ وصولهم . إقتربت الأم من ابنتها فى حنو , وبصعوبة ورفق استطاعت أن تسحب الأطفال من يديها . هنا أفاقت آمال بعض الشىء وكأنما فوجئت بوجود والدتها فشهقت بصوت عال وإرتمت فى أحضان أمها – كأنما هى طفل صغير يحتمى من خطر محقق فى ملجأ أمين – وإنخرطت فى البكاء . ربتت الأم على ابنتها بعدما شاركتها الدموع وقالت لها فى حنو بالغ : مالك بس يا بنتى بسم الصليب عليكى قوليلى إيه إللى صابك بس ؟
هنا خرجت الكلمات من آمال ممزوجة بالبكاء العالى مع الشهقات المتلاحقة .. متقطعة .. مندفعة
* أنا .. أنا .. هموت النهاردة .. يا ماما .
عقب هذه الكلمات ضحك بعض الموجودون .. وسخر البعض الآخر .. وتمصمصت أُخريات .. وساد نوع من الإعتراض وجوه البعض .. وهمهم البعض بكلمات تأنيب صعبة لم يسمعها أحد .. وخرج البعض دون إستئذان . وشعر الزوج – غير المقدر لمشاعر زوجته – بالاحراج . فعلت وجهه حُمرة الخجل والغيظ معاً , ولكنه وارى ذلك بضحكات باهتة قائلاً : إحنا آسفين يا جماعة الظاهر إنه كابوس . فإستأذن الجميع فيما عدا أسرة آمال , فقد جلست الأم مع إبنتها لتستمع إليها .


كان ما تعانيه آمال حرباً هائلة لم يُقدرها أحد من الذين إنصرفوا وظنوا الأمر لا يعدو كونه ( دلع ستات ) على حد تعبير أكبرهن سناً - والتى إنصرفت متضررة جداً .
سألت الأم ابنتها آمال فى حنو : ليه بتقولى كده يا بنتى .. اسم الله عليكى . فردّت الابنة فى يقين . أنا متأكدة يا ماما .. ولادى ؟ .. مين هيربى ولادى ؟ .. واندلعت فى بكاء مرة أخرى بأنفاس لاهثة مضطربة ثم بصعوبة بالغة إستطاع الأخ رفيق تهدئة أخته والتى كانت تعانى من خوفٍ شديد جعل جسدها يرتعش كأنما هو منزل على وشك الانهيار . وبعد اكثر من ساعة هدأت الأخت نسبياً ولكنها لم تستطع النوم عقب إنصراف الأسرة . فظلت تغفو قليلاً .. ثم تصحو فزعة وهى فى ذلك أيضاً تحتضن ولديها النائمين إلى جوارها على السرير وذلك حتى انقضاء الليل .


فى الصباح ذهبت آمال إلى الكنيسة , وانفردت بأبونا مرقس أب إعترافها وروت له ما حدث معها وهى ما زالت مضطربة ..فصلّى لها أبونا وهدأها بعض الشىء ولكنها خرجت أيضاً متأكدة بأنها سوف تموت قريباً جداُ ,وظل شبح الموت يرتسم أمامها فى رعب قاتل للنفس يهز أجزاء جسدها هزاً .


مضى على هذا الحدث حوالى أسبوعين . ثم فى إحدى الليالى .. تكرر نفس السيناريو السابق دون أى تعديل سوى أن آمال هذه المرة كانت مضطربة أكثر وأكثر لدرجة معها أصبح من المستحيل التفاهم معها . فهى متأكدة من موتها وتبكى أولادها وما سيصيبهم بعد موتها . رعب وفزع لا مبرر لهما – من وجهه نظر من حولها – ولا أحد يعرف مقدار ما تعانيه من تعب .


إن آمال ليست مريضة بمرض نفسى ولم يسبق لها الإصابة بأى مرض يؤدى فى نهايته إلى وعكة نفسية ولا تتناول أدوية تؤثر على الجهاز العصبى . كل ما فى الموضوع أنها تُحارب من قِبَل عدو الخير بحرب شديدة .. هى الخوف من الموت .. أمّا ما أصاب آمال بعد ذلك فقد أصبح أضعاف ما كانت تعانيه قبل ذلك . فقد أصبح خوفها كثيراً جداً ونومها متقطع وبالتالى أصبحت صحتها سيئة جداً وفقدت الكثير من وزنها , وبرغم ذلك لم تنقطع عن الكنيسة من إعتراف وتناول وإجتماعات روحية ولكن ما فى القلب فى القلب ولا أحد يدرى إلاَّ عندما يزداد الأمر عليها فيظهر فى تصرفاتها وعينيها الرعب من الموت خصوصاً عندما تسمع بموت أى شخص ولو كانت لا تعرفه من قبل .
أكثر من ثلاثة شهور مضت على هذا الحال وأصعب , ولا يوجد علاج كنسى أو حتى عالمى . إزدادت نوبات الرعب والخوف من الموت وأصبحت رؤى مخيفة ومفزعة ترى فيها آمال الشياطين فى أحلامها وقد أمسكوا بها مقيدين إياها فى عمود متراقصين حولها فى أشكال مفزعة ويهمون أن يبتلعوها . فتصحو فى رعب وفزع ويرتجف جسدها بشدة وحتى بعد الإستيقاظ لا ينتهى كل ذلك فتشعر بإختناق ولا أحد يدرك ما هى فيه , وبعضاً من الأقارب قالوا بأنها مريضة نفسياً وبعضهم قالوا بها روح نجس – وهذا غير صحيح – وبعضهم قالوا ما قالوه قبل ذلك وزوجها شعر باحباط فوقف مكتوف الأيدى , وليس من مهرب .


ما أريد التأكيد عليه أن آمال لم تكن إنسانة شريرة فربما ظن البعض أن ما هى فيه إنما هو نوع من عذاب الضمير أو هو جزاء ما إقترفت من شرور . فهذا أمراً لا يجانبه الصواب , ودعونى أخبركم قليلاً عن آمال حتى لا يتسرع أحدكم فى الحكم عليها :
آمال هى الابنة الكبرى للأستاذ الفونس - والذى يعمل فى أرشيف وزارة العدل موظفاً عادياً جداً مثله مثل الآلاف غيره – عمرها الآن 25 سنة فقط . تزوجت من سامى – والذى يعمل فى نفس المصلحة مع والدها – وكان يكبرها بعشر سنوات وذلك عقب تخرجها من الثانوية العامة مباشرة ثم أنجبت ابنتها سالى ( 5 سنوات ) وابنها جون ( 3 سنوات ) .


أما عن شخصيتها فهى إنسانة عادية جداً إلاّ أن ما يميزها عن غيرها . مشاعرها المتدفقة تجاه الآخرين خصوصاً فى الوفاة فقد كانت تتردد على كنيسة الأنبا بولا والكائنة فى وسط مدافن المدينة وكانت ترى دائماً حالات الوفاة وما يكون فيها من ألم وبكاء لأهل المنتقل فكانت تطلب فى صلواتها أن يهبها الرب ما يمكن أن تقدمه لهؤلاء المتعبين لتعزيتهم . هذه هى آمال .
لم تكن تدرى أن هناك من يترصد بها ليمنعها عن خدمة الآخرين - فعند حالات الوفاة يأخذ عدو الخير فرصة كبيرة فى زرع الشكوك والإعتراضات فى نفوس الناس , وأيضاً تكون الفرصة مواتية لزرع الخوف والتذمر وعدم الرضا فى قلوب أولاد الله – إذن فهى بطلبتها هذه إنما تقاوم مملكة الشياطين وعملهم دون أن تدرى فهى إنما قصدت بالأكثر أن تشارك فى بناء مملكة المسيح . إلى هنا ونكون قد وصلنا إلى بداية القصة أو لنقل إلى النهاية .


بعد مرور ستة شهور على أول الأمر وفى ليلة من الليالى القاسية التى كانت تعانيها آمال وحدها وليس من مشارك لها فيها , وكانت آمال تمسك بكتابها المقدس كعادتها لتقرأ بعضاً من الآيات المعزية والتى ترفع عنها عبء المعاناة جزئياً – حيث أن المعاند لا يلبث أن يبدأ حربه من جديد بأكثر ضراوة – أثناء القراءة مرت عليها إحدى الآيات الجميلة والتى كتبها القديس بولس الرسول قائلاً:
{ لى إشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح ذاك أفضل جداً } فأكملت آمال قراءتها ولكن تلك الآية لم تفارق ذهنها فأخذت تتأملها قليلاً ثم قامت فصلّت وجلست إلى سريرها بين طفليها ونظرها معلّق بصورة السيد المسيح فى شرقية الحجرة وأخذت تقارن بين حالتها ورعبها من الموت وبين ما يقوله الرسول العظيم بولس من أنه يشتهى الموت ليكون مع المسيح فى السماء . فأخذت تبكت نفسها على ضعف إيمانها , وشيئاً فشيئاً بدأت تشعر بهدوء لم تشعر به منذ أكثر من ستة شهور . فأسندت برأسها على ظهر السرير وأغمضت عينيها قائلةً :


{ الآن يمكننى أن أتقبل الأمر براحة .. فلو مت الآن لن أعترض .. ولن أخاف } ثم فتحت عينيها وهى تشعر بالنعاس يشد أجفانها لتنام فإذ بها ترى شخصاً واقفاً بجوار سريرها فى هدوء , تعلو وجهه إبتسامة مريحة . وقبل أن تحاول الصراخ وجدت نفسها تتكلم بهدوء قائلة له :
* من أنت ؟ ثم قامت فوقفت أمامه بجوار السرير . فقال لها :
- ألا تعرفينى ؟ ؟ أنا الموت ... قالها وقد علت شفتاه إبتسامة . فنظرت إليه فى شىء من العجب ثم إبتسمت وقالت له :
* لا . أنت تمزح . فلا يوجد شخص اسمه الموت , إن الموت شىء معنوى لا نراه ولا نسمعه ولكننا نعرفه عندما يأتى .... فأجابها بهدوء قائلاً :
- نعم . أنا أعرف كل ذلك , ولكن إرادة الله سمحت - لكى أنتِ خصيصاً - أن ترينى هكذا وجهاً لوجه عندما آتى لآخذك .. .. فأصابتها دهشة ضئيلة وسألته :
* هل معنى هذا .. أننى سأموت الآن !! ؟؟ .. .. فابتسم قائلاً - يا عزيزتى . أنتِ قد مُتِ بالفعل . أنظرى .. .. وأشار إلى السرير . فنظرت ببساطة فوجدت نفسها نائمة فى مكانها على السرير بين أولادها . ثم نظرت إلى ذاتها فوجدت نفسها مازالت واقفةً أمامه .. فتساءلت بهدوء :
* أتعنى فعلاً أنى قد مِتُ ؟ .. .. فقال لها :
- نعم . وهذا هو جسدك , أما أنتِ فإنك الروح التى أودعها الخالق العظيم له كل المجد .
لم تطل فى النظر والتفكير فإن الهدوء والراحة التى شعرت بهما أولاً تضاعفا الآن كثيراً جداً فهى الآن تشعر براحة مريحة وعجيبة لم تشعر بها أبداً من قبل وهى فى الجسد . فقالت له :
* حسناً .. ماذا الآن أيها الموت ؟ .. أم أنك تريدنى أن أناديك اسماً آخر ؟ لعل هذا الاسم يزعجك كما كان يزعجنى .
فردّ عليها فى رفق قائلاً :
- أنا لا أغضب من نفسى أبداً . فأنا أنفذ المشيئة الإلهية دائماً وبطاعة متناهية .. إن كل إنسان محدد له يوم ميلاده ويوم وفاته عند الخالق العظيم . أمّا أنا فقد أُوكل إلىّ تنفيذ يوم الموت على البشر , ولذلك فإنهم قد يكرهوننى أحياناً وقد يهابوننى أحياناً أخرى . كل شخص منهم حسبما كانت حياته على الأرض . فمَن كان شريراً فاسداً يهابنى لأنه يعرف مصيره الأبدى فى جهنم النار , ومَن كان فى الأرض طماعاً يكرهنى لأنه لا يريد أن يترك ما حققه ويمضى إلى طريق كل الأرض إلى حيث لا متع أرضية فاسدة . إن الأشرار يريدون أن يتركوا النفس والجسد لأهوائهما ولا تتناسب معهم أعمال الروح السامية لذلك هم يكرهوننى .. أمّا من كان يتوقعنى وينتظرنى بشوقٍ فهو من سما عن اللذات والشهوات ونظر إلى الأمور الباقية والتى لا ينطق بها فى السماويات مثل بولس الرسول والذى كنتِ تقرئين عنه الآن فقد كنتُ مشتهاه لأنه عن طريقى يعبر إلى المسيح عريسه ومشتهاه الحقيقى . عموماً فإننى قد كنت فى الماضى قبل تجسد الابن الكلمة وعمله الكفارى على عود الصليب , كنتُ أشير قبل الصليب لا إلى النهاية الجسدية فقط بل أيضاً إلى النهاية الروحية . لأن الأبرار كانوا أيضاً فى الجحيم وأما بعد الصليب فقد صرت أنا فخرا ً لأنه لا يرى أحداً المسيح ما لم يمر بى جسدياً ليصبح فى حياة أبدية .. والآن هيا بنا فقد أثقلت عليك فى الكلام .. .. ..فردّت آمال أو لنقل روح آمال قائلة :


* إلى أين أيها الرفيق الرقيق ؟ .. .. فقال لها الموت :
- إلى مشتهى نفسك إلى ملك الملوك ورب الأرباب يسوع المسيح إلهنا له كل المجد .
سمعت آمال هذا الكلام وظنّت أن قلبها سوف يدق دقّات متتابعة متلاحقة عالية من الفرحة , ولكنها تعجبت عندما لم تسمع قلبها فتذكرت أنها قد ماتت وأن الروح لها طُرق أخرى – غير الجسد – فى التعبير عن الفرح . ثم شعرت بسلام وفرح يملأ كل كيانها فانطلقت عبر الحائط يمسك بيمينها ذلك الكائن الجميل المسمى الموت والذى فَرَدَ جناحين كبيرين كالطائرة بمجرد خروجهما إلى الهواء . أمّا آمال فكانت فكرة أنها فى الجسد مازالت تداعبها لذلك فقد خشيت لبرهة قصيرة أن تسقط إلى أسفل – حيث أنها تقطن فى الطابق الخامس – ولكن سلامها الداخلى لم يتزعزع فهامت فى الجو مع رفيقها صاعدة إلى السماء كأنها ريشة خفيفة حملتها الرياح , وراحت تعلو وتعلو وهى تنظر حولها الأضواء والأهواء والأشياء . ثم تركت كل ذلك وسألت :
* ولكنى سمعت بل وقرأت أن من يرافق الروح بعد خروجها من الجسد هم الملائكة فإن كانت الروح شريرة يقوى عليها الشياطين ويأخذوها وإن كانت بارة تصعد مع الملائكة ولا يقوى عليها الشياطين . فلماذا أنا لا ترافقنى الملائكة وإعلم أن هذا ليس تذمراً ولكنه استفساراً من أجل المعرفة .. لم ينظر إليها الموت ولم يتضايق من سؤالها ولكنه أجابها– وهو مازال محدقاً بطريقه نحو السماء وعيناه معلقتان بالأفق فى هدوء – قائلاً :
- إن موتك أنتِ حالة خاصة . أمر بها الملك أن تكون على هذه الشاكلة وهناك أشياءاً أخرى سوف تعرفينها فى الوقت المناسب ... عندئذٍ شعرت آمال براحة أيضاً ثم تابعت طيرانها حتى وصلت إلى مكان ما - لم تعرف ما هو – ولكنها كانت فى سلام وراحة عجيبين . وقفت ونظرت حولها فوجدت الرحب والسعة والراحة فى كل مكان . فتركها الموت هناك قائلاً لها :
- انتظرى ههنا ... فوقفت دون تردد دون تعب دون فكر لحوح ودون سؤال فقط راحة وسلام فى إنتظار الحبيب , بعد برهة شعرت بشخص ما .. شعور جميل يكتنفها .. يهزها .. ليس هزاً عنيفاً لكن مريحاً .. دموعها انسابت .. كيف ذلك ؟ .. سألت نفسها قائلةً : إن الروح لا تبكى هكذا .. ولكن الدموع غلبتها .. فأدركت .. نعم .. أحس بكَ يا حبيبى .. أين أنت ؟ .. أريد أن أراك .. فسمعت صوتاً .. حولها .. من داخلها .. يملأها .. قائلاً لها :
+ أنا معكى يا ابنتى .. اطمئنى .. لماذا تخافى الموت ؟.. هل هو فعلاً صعب ؟
* لا .. يا ربى الحبيب .. إنه جميل وأجمل ما فيه أنه قربنى منك هكذا .. أين أنت ألن أراك ؟

+ ليس الآن .. إن حياتك على الأرض لم تنته بعد .. فأنا أريدك هناك .. فإن خدمتك لم تبدأ .
* خدمة ؟ .. أى خدمة ؟
+ هل نسيتِ طلبتك ؟ .. ألم تصلّى من أجل المتعبين والحزانى .. وطلبتِ أن تُعطى ما تعطيه لهم ؟
* بلى ..يارب .. لقد طلبتُ ذلك .
+ لقد سمعتُ لكِ فى طلبتك تلك وسوف أعطيكى ( نبعاً من التعزية ) لتسقى منه كل محتاج .. لقد أراد بكِ المشتكى شراً .. لكن هذا الشر قد تحول الآن خيراً .. لقد سمحت أن تتعبى من حروبه لكى ترى بعينيكى ما ترينه الآن .. فتتكلمى عن تجربة وإحساس .. وعندما تعزى الناس تكلمى عن إحساسك ولا تحكى عن ما رأيتيه – لأنه لن يصدقك أحد – وأنا سأكون معكِ فلا تهابى شيئاً .. وأنا أيضاً سأكون فى إنتظارك بعد إكمال خدمتك .. عندها سوف أرسل لكِ الملائكة كما سألتى لكى تُحضرك عندى .. إذهبى بسلام ..
عند ذلك نظرت آمال فوجدت رفيقها السابق – الموت – واقفاً من بعيد يودعها وإبتسامته لم تفارقه وقد فرد جناحيه على مثال الصليب فأشارت له قائلةً :
* لا تتأخر علىّ كثيراً فأنا فى إنتظارك من الآن .. لا تتأخر فأنا فى شوق عظيم للقاء الحبيب .. لا تتأخر كثيراً .. لا تتأخر .. إنى فى انتظارك
و هنا فتحت آمال عينيها فوجدت نفسها قد عادت إلى جسدها الممدد على السرير . نظرت أمامها فرأت صورة السيد المسيح تعلوها إبتسامة مريحة .. فأدركت ما جرى معها فقامت عن سريرها وصلّت صلاة باكر – لأنها كانت الساعة الأولى من النهار – ثم ارتدت ملابسها إلى القداس الإلهى وعقب القداس إقترحت آمال على أب إعترافها بداية خدمة جديدة فى الكنيسة هى خدمة ( ينبوع التعزية ) لتعزية أهالى المنتقلين وبعد أن رأى أبونا وسمع وتعجب وافق وهو يُمجّد اسم الرب .. وفى منزل آمال بعد ذلك لم ينقطع رنين التليفون صباحاً ومساءاً وصياح الديك من اتصالات أبونا والذى كان يُرسل فى طلب تاسونى آمال ( المُعزِّية ) - أمينة خدمة ينبوع التعزية – لتذهب إلى إحدى الأسر والتى إنتقل أحد أفرادها الآن .. لتعزِّيهم .
ولم يعرف أحد سر تاسونى آمال المعزِّية على مدى خمس وعشرون عاماً هى مدة خدمتها بيننا .. أما أبونا فقد عرف هذا السر قبل ذلك ..
واليوم ها هو يحكيه لكم .. فى يوم انتقال تاسونى آمال المعزِّية من هذا العالم الفانى ..
أبوكم وخادمكم الخاطى
أبونا مرقس

ـــــــــــــــــــــــ
أكتوبر 2003
+ الموت فى القصة السابقة هو الموت الجسدى أى انفصال الروح عن الجسد فان كنت قد فهمت غير ذلك أو اصدمت بالفكرة فمن فضلك أعد قراءة القصة ... وإن لا ... فأكمل القراءة
+ القصة مهداة إلى المنتقل الحبيب أخونا الدكتور / أسامة مفرح
الذى أنهى خدمته بيننا وذهب الى السماء ليحظى بلقاء عريسه السماوى فلا تنسى أن تذكرنا أمام العرش الالهى ليعيننا الرب

انـتــحار


إستيقظت فى حوالى الرابعة صباحاً على صوت غريب فى غرفتى . فى البداية كان الصوت ضعيفاً وكأنه لطفل صغير يهمهم باكياً ,وما لبث أن إرتفع الصوت بشكل كبير . فلم أجد مفراً من أن أزيح عنى دفء الغطاء وأقوم عن سريرى لأرى ما يحدث حولى – ويا لهول ما رأيت – لقد رأيت منظراً لن أنساه طيلة عمرى . رأيت قلمى الخاص وقد ربط حول سنه الغليظ سلك نحاسى طويل ,وربط ناحية السلك الأخرى فى المقلمة النحاسية التى على المكتب ثم قفز . فإذ بسنه الحديدى قد إنخلع عن الأنبوب فكأنما هو رأس بشرى قد إنفصل عن الجسد . وفوجئت بتيار كبير يسيل منه من الحبر وكأنما هو نزيف يخرج عن جسد متخم بالجروح .

أسرعت إليه رافعاً إياه فى حنو من على السجادة فإذ بى أراه قد ترك أثاراً من المداد الأزرق لكنى رأيته ساعتها أحمر كالدماء المنسكبة فسألته فى إشفاق ومشاعر الحزن تغلبنى : لماذا كل هذا يا صديقى ويا رفيق رحلتى . ألسنا دائماً معاً ؟ أحنو عليك وأمسكك بيمينى ,وأنت دائماً أول من يعرف أفكارى ومشاريعى عندما أريد إخراجها للعالم ؟ وعندما أكون مشغولاً بعمل فى مكان آخر . أتذكر ؟ كنت أحملك معى دائماً واضعاً إياك فى جيبى الأيسر الداخلى إلى جوار قلبى ؟ لماذا إذن هذا الفراق المفاجىء ؟ .. أكملتُ كلماتى هذه ولم أمسك دموعى فإنسابت رغماً عن فاختلطت بدموعه . وقال لى وهو يجهش باكياً : كان هذا منذ فترة بعيدة قبل أن تنسانى وتتخذ أسلوباً آخر للتعبير عن رأيك – أسلوب الكلام – فمنذ أن بدأت فى إستخدام الكلام للتعبير عن أفكارك وآرائك لم نلتقِ . نعم فما حاجتك لى ؟ وأنت فى كل وقت – ودون أدنى تفكير – تُخرج ما فى داخلك من أفكار فى صورة كلمات يسمعها من حولك فى بساطة ودون عناء ,وإعلم أنهم سوف ينسونها أيضاً فى بساطة ودون عناء ...

ولم أحتمل كلماته تلك . ساعتها دارت فى مخيلتى كل أعمالنا السابقة معاً من قصص وأشعار وأزجال ومقالات وكان لها صداها الواسع عند الجميع .
هنا وقاطعنى قلمى الخاص عن مواصلة أفكارى بصوته المتحشرج قائلاً : كلمة أخيرة يا صديقى أود أن أقولها لك وهى أنه يوجد وقت للكلام لا أنكره عليك ولا أريد أن أحرمك من هذا الحق فى الكلام ,ولكن فى أغلب الأوقات – صديقى العزيز – يجدر بك أولاً أن تُخرج ما فى داخلك من أفكار عن طريقى أنا .فهذا هو ما يميزك عن غيرك وأيضاً سيعطى لأفكارك الخلود . قال تلك الكلمات وزاد صوت السكون حولى فلم أسمع صوته . نظرت إليه فإذ هو ساكناً لا حياة فيه . فلم أصدق موته وأخذت أصرخ وأناديه ولكنه لم يسمعنى . أدركت ساعتها أننى أنا السبب فى إنتحاره لأننى تخليت عنه . أدركتها متأخراً .. ومن هول ما ألمّ بى لم أصدق ما حدث ,ورحت أصرخ بكل ما أوتيت من قوة أناديه أن لا يفارقنى وأتعهد له أننى لن أنساه مجدداً ....

فإذ بى وسط صراخى تنفتح عينىّ لأرى نفسى مازلتُ فى فراشى أنعم بدفء الغطاء ,وفى لحظة واحدة كنت قافزاً عن سريرى – كطلقة مدفع – تجاه مكتبى وإذ بى أجد قلمى مازال أمامى واقفاً فى شموخ فى مقلمتى النحاسية فحمدت الله وإحتضنته يدى وأمسكتُ بأوراقى وبدأت أكتب .. إستيقظت فى حوالى الرابعة صباحا ..ً على صوت غريب .. فى غرفتى .. فى البداية .. .. ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كتبت فى 3/8/1999
* القصة ذات شكل دائرى
فعندما ينتهى القارىء منها يكتشف أنها بدأ فى قراءتها من جديد .
* القلم قد يرمز إلى حياة التأمل والكلام إلى حياة الخدمة .
( فأحياناً ما ينسى الخادم – فى غمار الخدمة المتسعة – الجلسة الروحية المتأملة الهادئة والمهدئة للنفس عند أقدام الرب يسوع ) .
* القلم قد يرمز إلى الحياة الروحية والكلام إلى الحياة الدنيوية ( فأحياناً ما تطغى العلاقات الإجتماعية على روحيات الفرد بما يهدد العلاقة الخاصة مع شخص الرب يسوع ) .
* وأيضاً .. قد يبقى القلم هو القلم والكلام هو الكلام .
* وقد يشير كل من القلم والكلام لأى وجهة نظر يرآها القارىء ولم يذكرها الكاتب ...

رئـيـس الـتـحـريـر


أرسل أحد الكُتاب المغمورين بعدد من أعماله لرئيس تحرير احدى المجلات الأدبية لنشرها وبعد فترة جاءه الرد التالى : -

عزيزي الكاتب الشاب
أرجو أن تقبل كلامي بسعة صدر و تعتبرنى مثل والدك . فأنا لا أنكر عليك جودة أسلوبك فى الكتابة و تمكنك من أدواتك و لكنى للأسف لا أستطيع نشر أى من كتاباتك تلك وذلك بسبب موضوعاتك التى تناولتها بالكتابة من جهة و من جهة أخرى أسلوبك الذى يحض على الاكتئاب و التشاؤم مما سيؤثر بالسلب على توزيع المجلة
مع خالص اعتذاري
ولكن المؤلف الشاب لم ييأس فقد أرسل لرئيس التحرير بهذا الرد : -
سيدي رئيس التحرير
لم تنكر سيادتك بأن أسلوبى جيد فى الكتابة و مع ذلك فأنت تتهمنى بأننى تشاؤمى النزعة لذلك دعنى أقول شيئاً - لا دفاعاً عن نفسى لكن عن أسلوبى - فأنا سيدى ليس تشاؤمى كما تظن ولكنى أتخذ المذهب الواقعى فى الكتابة . فما هو ذنبى إذا كان الواقع الذى نعيشه يدعو للكآبة . أنا أصور الواقع فلماذا تحاكمني بإثم غيري . لست أنا من صنع هذا الواقع أنا فقط أرسمه بقلمي - فأنا لا أرى شيئاً آخر يستحق الكتابة عنه - فاخبرني سيادتك عن وجهه نظرك لعلى أستفيد منها فأرى ما هو مخفي عنى
مع خالص شكري

قرأ رئيس التحرير رسالة الكاتب الشاب ورد عليه بهذا الرد : -
المتفلسف الكبير
أعجبني أسلوبك فى الدفاع عن أفكارك و أنا لا ألومك فى تمسكك بها و لكنى ما زلت عند رأيى بأنه يجب عليك – اذا أردت أن ترى أعمالك النور – أن تغير هذا الأسلوب . فالناس يا عزيزى يعيشون هذا الواقع بكل آلامه ولا نريد نحن أن نزيد ما بهم من متاعب بل يجب علينا أن نتطرق إلى موضوعات تخفف عنهم عبء الحياة وحتى إن اضطررنا للكتابة عن هذا الواقع المؤلم لابد و أن نُزينه بجمال الأسلوب و الكلمات التى تساعد هؤلاء الناس المساكين فى رفع المعاناة عنهم. وأيضا ياعزيزى لا أخفي عليك – كما قلت لك فى البداية - فموضوعاتك التى تختار الكتابة فيها ليس فيها أي شيء يشد انتباه القارىء . فمثلاً : جميلٌ أن تكتب قصة شاب أحب فتاه ولما زوجّها أهلها رغما عنها انتحر حبيبها . مالى أنا وما دار فى خُلد هذا الشاب فى اللحظات الأخيرة قبل انتحاره لماذا تجعلني أشارك هذا المنكود الحظ أحاسيسه . عموماً فأنا لا أريد أن أثقل عليك بالكلام
وتقبل اعتذارى أيضاً

قرأ الكاتب الشاب الرد ثم كتب خطاباً أخيراً ارسله لرئيس التحرير جاء فيه :
أستاذي العزيز
مع خالص احترامي لرأيكم الذى أرسلته دعنى أقول : -
إن الكاتب الذى يُخفى الحقيقة أو يُجملها كمن يقدم للناس أشياءاً تُذهب العقل و تبعدهم عن الواقع كالمخدرات . و الكاتب الذى يسعى لتقديم الحكاية مجرّدة من المشاعر و الأحاسيس يصبح قلمه جافاً عاجزاً عن الوصول إلى كل الحقيقة . و الحقيقة الغائبة عنك أستاذى الفاضل هو أنك لست المسئول عن توحيد الذوق العام لدى الناس . فلابد و أن تختلف وجهات النظر و لابد وأن تتنوع الأفكار و لابد و أن يرى الناس و يحكمون ماذا يريدون . لابد و أن يكتب من يريد أن يكتب فى أي موضوع يريد والحكم فى النهاية ليس لشخص واحد بل الجميع الآن قادر على التمييز بين الجيد و الرديء وما يريده وما لا يريده . لذلك أرجو أن تحاول سيادتك أن تعطى الفرصة الآراء المخالفة لرأيك فهذا هو دورك كرئيس تحرير
مع خالص احترامى

ثم أرسل الكتب الشاب بعدد من أعماله لرئيس تحرير آخر لنشرها وما زال ينتظر الرد .
----------
+ قد يكتفى القارىء بهذه القصة كما هى .... وأيضا ً ....
+ من الممكن أن يرى فى شخصية رئيس التحرير
اشارة إلى ...
- بعض مَن لهم سلطة على غيرهم ...
- بعض مَن هم أكبر سناً من غيرهم ...
- بعض من هم فى المراكز القيادية ...
+ إنها رسالة لكل كبيربأى شكل ...شجعوا صغار النفوس

غــزو


كانت نظراته لى - التى ملأها الرعب - هى سبب ترددى فى إتخاذ قرارى الحاسم بإنهاء حياته فأنا مع كونى حازماً جداً فى تلك الأمور إلاّ أن قلبى يرق أحياناً وأخضع للمشاعر . لكن ساعتها لم ألقِ بالاً لمشاعر الرحمة التى تملكتنى وأشحت بوجهى بعيداً عنه - وهو مازال يرمقنى بنفس تلك النظرة البائسة المترجية – وهممت أن أُجهز عليه وأفقده حياته وإذ به فى تمسكه المميت بالحياة يحاول الهروب منى بالإختفاء فى مكانٍ آخر . فى تلك اللحظة شعرت ما يشعر به من لا ملاذ له ومن لا هدف له فهو دائماً ما يتخبط مثله على غير هدى .
أسرعت ورائه وقلبى يعصره الحزن والأسى للمصير الذى سيلاقيه فلا مناص من قتله فأنا وإن قبلت غزوه لحياتى لا أضمن أنى سوف أحصل على نفس الحقوق التى أتمتع بها الآن – حيث أنى الوحيد المسيطر على مجريات أمور حياتى – فإن كل شخص يرضى بدخول غازٍ إلى حياته عليه أن يتحمل ما سيلاقيه مستقبلاً من سلب تدريجى للإرادة والحقوق وكل من يغزو جزء من حياة الآخرين لا يستنكف من الجور على كل ما يخصهم بدون أدنى خجل أو مراعاة لهم .
دارت كل تلك الأفكار بمخيلتى ورأيت مصيرى الذى ينتظرنى فإذ هو مظلم جداً عندها تجلدت بالأكثر وأمسكت بأول شىء أمامى يمكن أن يفقده حياته ودونما لحظة تردد قررت إنهاء هذا الغزو واضعاً حداً لما سأعانيه فى المستقبل من الآن . ثم أغمضت عينىّ عن كل إسترحام منه وسددت أذنىّ عن كل نداء من قلبى إذ كان يُمنينى بأن هذا المحتل سوف يصبح صديقاً فى المستقبل آنس إليه وأشاركه همومى وأستفيد منه ولكن علا صوت العقل محذراً : كيف للعدو أن يصبح صديقاً ؟ لم تهدأ ثورة الأفكار فى عقلى وعنفوان المشاعر المضطربة فى صدرى إلاّ وأنا أحاصره وبكل قوة فىّ أُفقده حياته فى عدم رحمة لحظتها فقط إنتهى كل شىء .
بعد ذلك حملته وأنا فى شبه غيبوبة – وقد فارق الحياة – فإذ بدموعى تنساب منى حزناً على من قتلت ,ولكن عقلى كان يواسينى بأن مقدار المكاسب التى سوف أجنيها لا تقاس فى كثرتها بضئيل ما كان سيعطينى فى وجوده معى . كانت خطواتى وأنا أسير حاملاً جثته خطوات ثقيلة كنت مصغياً و تخيلت أنى أسمعه وهو ينتحب نفسه بعد موته نادماً على تفكيره المريض الذى قاده إلى ذلك المصير المؤسف . عموماً لقد شعرت براحة كبيرة بعدما تخلصت منه وشعرت بالمعنى
الحقيقى للحرية وتعجبت كيف كان سيؤثر علىّ ويسلبنى حريتى وهو مجرد فأر .
ــــــــــــــــــــ
11/10/2000
* كل خطية ... كل عادة ضارة ... كل عمل لا يرضى الله ... يغزو حياتنا يجب أن نتخلص منه من البداية قبل أن يقوى علينا ويدمر حياتنا . ( طوبى لمن يمسك أطفالك ويدفنهم عند الصخرة )
* تشير القصة إلى كل أنواع الغزو المختلفة .
( سياسى – ثقافى – فكرى – اجتماعى - ........ )

الـقـطـار الأخـيـر


كانت عقارب الساعة تسرع فى طريقها دونما توقف تبحث عن نهاية لدورانها و كان النهار يركض ركضاً إلى منزله وذلك ليفسح مكاناً من أجل الليل الذى بدأ يدفعه دفعاً من أمامه ليترك له مكانه ، و كنت أنا ايضاً أسير مسرعاً فى خطوات أقرب أن تكون ركضات أو قفزات لا توقف فيها حيث كنت أحاول اللحاق بآخر قطار يغادر البلدة . . . كنت أدرك جيداً معنى السعى وراء القطار الاخير . . ، و كنت أعى جيداً معنى فقدى له وما سيترتب على ذلك . . ، ولذلك فقد كانت خطواتى السريعة المتواترة تعبر عن ما يدور فى خلدى حول هذا الموضوع .
عندما وطأت قدمى أرض رصيف المحطة ظننت أنى حققت ما كنت أصبو اليه .. ، و لكن هيهات ذلك .. فبمجرد وصولى وقع نظرى على القطار الذى أنشده وقد بدأ يتحرك عابراً من أمامى بحركة تختلف كثيراً عن حركتى . . فبينما كنت أحاول الاقتراب منه كان يبذل قصارى جهده لكى يبتعد عنى مسرعاً .
أزدت سرعة على سرعتى ووضعت مجهوداً آخر على مجهودى المتضائل من التعب و هممت أن الحق به. هنا أحس القطار أننى سأفوز عليه و استقله رغماً عنه .. فصرخ صرخة مدوية هزت أرجاء المحطة هزاً وكأنها صرخة عدم الاستسلام ، و فى لمح البصر كانت سرعته قد تضاعفت عند ذلك أحس بفوزه فأخذ يسير فى تبختر بنفس تلك السرعة المتضاعفة واثقاً عدم قدرتى اللحاق به .
لكنى لم أستسلم لأفكاره فوضعت كل قدراتى فى قدمىّ ورحت أركض حتى الموت .. انتهى الرصيف تحت أقدامى فلم أهتم بذلك ورحت أركض فوق القضبان ووسط الخشاب و الأحجار دونما توقف . وتحول المشهد إلى تمثيلية درامية أو كوميدية لا أدرى ؟؟ فقد جلس الناس الذين على رصيف المحطة و الآخرون الذين فى القطار المجاور ينظرون إلىِ باهتمام كبير لا أعرف سبباً له . منهم من أمسك فى يديه كيساً مليئاً بالترمس أو اللب أو التسالى المختلفة المرتفعة الثمن و التى لا يقوى على شرائها الكثير من الناس .. كانوا جميعهم ناظرين إلى و كأنما قد تحولت إلى أحد نجوم الكرة المشاهير و الذين يعرفونهم جيداً . و أنا فى طريقى لأسجل هدفاً عزيزاً عليهم .. و قد وضعوا أيديهم فى أفواههم دون حركة . تحسباً أن تكون النتيجة كما تكون دائماً مع أبطالهم الوهميين – نجوم الكرة – أما من خلت يديه من شىء يضعه فى فمه ليمنعه من الكـلام فقد علت صيحاته مع آخرين ليحذرونى . ليس من الركض خلف القطار بل ليعطونى الإرشادات اللازمة لكى أستطيع تحقيق الهدف بسهولة . و منهم من وقفوا فى نوع من الذهول لا يدركون ماذا يحدث أو ماذا يفعلون و منهم من علا صوته يسب و يلعن على سائق القطار و عدم عدله فى قيادة القطار وأنه يجب ان ينتظر قليلاً من أجل بعض المتأخرين .. و منهم من القى باللائمة على النظام بأكمله فراح يصب الكلمات الرديئة على السكك الحديدية بالكامل و منهم من أزاد فى ذلك أنه لم يعجبه أى شخص من الناس حوله وحتى نفسه و كانت كلماته مبعث العجب للجميع . فى كل هذا أصبحت المحطة إستاداً بكل معنى الكلمة . فلم يكتفى الناس بالمشاهدة الصامتة كما فى الأعمال السينمائية أو التليفزيونية و انما كان لزاماً عليهم أن يفعلوا شيئاً .. و هذا الشىء هو الكلام و التحذير والسب و اللعن و التهكم و السخرية و اللامبالاة و الإحباط كل ذلك فى وقت واحد و من كل الناس .. و تذكر الجميع كل الهزائم التى مرت بهم من فرقهم الرياضية المتكاسلة .. فراحوا يغطون بكلام من كل نوع ..
عندما سمع القطار ما يدور خلفه من لغط . كشر عن أنيابة و ضاعف سرعتة مرات و مرات وهرب بعيداً وابتلعه الأفق فى غير عودة ، و كنت أنا الضحية . إذ كيف لى أن ألحق به ! ؟
عدت أدراجى ناحية المحطة و انا أجر أذيال خيبة الأمل .
و تكاد الدموع تقفز من عينى . كانت حالتى تدعو للرثاء ومع ذلك لم يجد الناس أى حرج فى أن يُخرج كل منهم ما يضيق به صدره من هموم فراحوا يوبخون ويتهكمون ويرثون و أنا أسير فى وسطهم كالمتهم فكأنى المسئول عن كل ما أصاب العالم من كوارث فى العشر سنوات الأخيرة ، ولكنى لم آبه لهم فى شىء .. فقد كان ذهنى مشغولاً بأمر آخر هو ذلك القطار الذى فاتنى ، وكيف سأعوضه .
وكان عدم أهتمامى بكلام هؤلاء الناس من منطلق أن الناس هكذا دائماً فهم يتكلمون وهم خارج الموقف فى ثقة وكأن لهم خبرة العالم كله ، وعندما يتعرض أى منهم لنفس الموقف يصرخ من هول ما يرى ، وعموماً فقد استفدت كثيرا ًمن فقدى لهذا القطار فكان هذا مدعاة لى لأتوقف مع نفسى ،و أسال هل هذا هو القطار الوحيد الذى فقدتة فى حياتى ؟ . .
هنــا و أهتز القطار بشدة فأرتطم رأسي بالكرسي الخشبي فاستيقظت .
--------
- محاولة اللحاق بالقطار قد تشيرإلى الجهاد الشخصى للإنسان معتمداً على ذاته فى حياة التوبة دون عمل النعمة معه .
-الناس هم الناس . وآرائهم المختلفة في من يحاول اللحاق بركب التائبين .

10/8/2001

خرج ولم يعد


لماذا تغير لون الشمس الآن ؟ .. منذ حوالى ساعتين كانت بيضاء تلمع ، واراها الآن – رغم اننا فى نصف النهار – حمراء كما لو كانت تنزف .. من يدرى .. ربما كانت سحابة عابرة مليئة بالأتربة جعلتها كذلك .. لأتابع سيرى فما تزال أمامى أشياء كثيرة لأقوم بها اليوم .. ، و لكن أى أشياء ؟ .. أنا لا أتذكر شيئاً منها . هل أنا نسيتها فعلاُ ؟ .. أم أنه ليس هناك شيئاً أصلاً مطلوب منى القيام به ؟ .. لا أدرى .

عموماً لأترك هذا الموضوع جانباً الآن . فها أنا أرى الشارع و قد ازدحم من حولى فجأة .. !! ، ولكن ما هذا التفكير الغريب و لماذا افكر أنه ازدحم فجأة ؟ - و أنا أراه كل يوم على هذه الشاكلة لا يتغير – هل هذا شعور بضيق الكون حولى ؟

لا أدرى .. ربما كان كذلك . فأنا لست متيقناً من حالته السابقة لأحكم على وضعه الحالى .
لأتابع سيرى الآن فقد تذكرت ما فكرت فيه بالأمس من أنه يجب على أحياناً أن أعيش مثل باقى الناس و أسير مثلهم و بينهم حتى أكسر عن نفسى تلك العزلة المميتة التى أضع نفسى فيها ..

عموماً ها قد واتتنى الفرصة دون قصد منى لأتابع سيرى .ولكن ما هذا الذى يحدث حولى ..؟ ماذا يفعل هؤلاء الناس ؟ انهم لا يمشون مشيا ً .. ، ولكنهم يركضون .. يقفزون .. يتطاحنون .. لا أظن أنى أسير مثلهم أوهم مثلى . إذن ربما قلت لنفسى أن أركض لا أمشى ؟ .. لا أدرى . عموماً ها قد وصلت الآن إلى محطة الأتوبيس .. لندع المشى جانباً فلابد و أن أعود اليوم مبكراً إلى البيت .. نعم ها هو الأتوبيس .. ، ولكن ما هذا الزحام المطبق .. ألا يمكن أن يكون هناك شىء من النظام ؟ .. عموماً أحمد الله أننى غير مجبر على الخوض فى تلك المعركة .. لأستقل سيارتى الخاصة .. يا لسوء ما أعانية اليوم .. لقد نسيت أين وضعت سيارتى ؟ ..

ربما فى أول الشارع أو ربما هنا بجوارى .. عموماً لا توجد مشكلة ؟ و لكن هل أنا فعلاً أملك سيارة خاصة ؟ .. لا أدرى !! إذن هذا شىء جيد ، فأنا أريد أن أترك كل شىء اليوم بإرادتى قبل أن يرغمنى آخر على ذلك .. و ها أنا اليوم قد تركت وظيفتى رغماً عنى بعد عمر طويل و من الآن لن يكون لى فائدة تُرجى فى هذا العالم .. وهذا ايضاً شىء جيد فسن المعاش هو سن الأنطلاق و التحرر من الروتينية فى الحياة فعلاً .. إن الحياة تبدأ فعلاً بعد المعاش لذلك لابد أن أبدأ حياتى من جديد .. لأتزوج و أنجب أولاد يكونون لى سنداً فى شيخوختى ..، و لكن هل أنا متزوج فعلاً .. لا أدرى لقد قلت منذ قليل بأنه يجب على العودة مبكراً اليوم .. إذن لابد وان هناك من ينتظرنى متوقعاً قدومى فى أى لحظة ..، و لكن يا ترى من هو .. ؟ عموماً لا داعى للقلق فأنا سأذهب اليه حالاً .. ولكن يجب أولاً أن اشترى شيئاً له حتى يفرح بعودتى .. آه .. هناك من يبيع و لكن .. لا اريده أن يبيعنى بأكثر من الثمن المقرر ..عموماً لقد استمعت صباحاً الى الراديو .. ، وقالوا أن الجواليوم سيكون حاراً بعض الشىء .. وجيد أننى اليوم أرتدى قميصاً بدون أكمام فهذا جيد لكبار السن أمثالى .


ها قد وصلت إلى الشارع .. إن المنزل هنا فى هذا الدوران .. ياللعجب !! أين المنزل ..؟ أى منزل ..؟ ما الذى أتى بى إلى هنا ؟ .. شىء غريب فعلاً ..لأعود الآن فأنا لا أعرف عن شىء ابحث .. ربما يكون هناك ما ابحث عنه .. لقد تعبت .. آه .. و لكن من أى شىء تعبت ؟ .. أنا لا أعرف ..
أنا ... أنا ...من أنا ...؟
---------
- من الواضح التخبط والأحباط الذى يعانى منه هذا الشخص الذى خرج على المعاش منذ دقائق معدودة .. وما نتج عن يأسه فى مواجهة الواقع فقد فقد الذاكرة و لم يعد الى منزله حتى اليوم .
- مثل الإنسان الذى يتحطم فى مواجهة التجربة . وذلك لاعتمادة على ذاته ..
18/2/2002

دمـــوع


نظرتُ إلى دموعها المتساقطة الواحدة تلو الأخرى ولم أتمالك نفسى إلاّ وأنا أسألها عن سبب دموعها المنهمرة فى ليلة كهذه ,ليلة ينتظرها كل البشر من العام للعام ,ليلة تتبدل فيها الأحزان بالأفراح – من وجهه نظر الناس – ليلة رأس السنة . سألتها وكأنما أردت بسؤالى أن أخفف عنها ,ولكن دونما رد منها فسؤالى لم يؤثر على حالتها فى شىء وإستمرت فى بكائها فكانت دموعها المنسابة منها تلمع أمام الضوء فرأيتها ساعتها جواهر ثمينة – ماسات تضوى تأخذ الألباب – فزادت فىّ الرغبة أكثر وأكثر لأعاود السؤال وأكرره وألح فى طلب إجابة عليه ، فلابد وأن يكون سبب هذا البكاء رهيباً ..

وأخيراً وبعد فترة من الإلحاح بدأت تتكلم . كان كلامها أقرب ما يكون إلى صوت مريض يئن فى يأس من وطأة المرض . كانت دموعها تسبق كلماتها قالت لى : عن ماذا تسأل ؟ عن سبب بكائى ؟ هل ستصدقنى إن قلت لك بأنى قد لا أعرف ما هو السبب الحقيقى لبكائى ؟ هل ستصدقنى إن قلت لك أنه لكثرة الأسباب التى تبكينى أصابتنى حالة من الذهول جعلتنى خلطت ما بين الأشياء التى تفرحنى والأشياء التى تبكينى . ولكن ومع كل ذلك دعنى أنا أسألك لأجيب عليك : هل ترى أن ما فى العالم الآن يدعو للسعادة أم للحزن والبكاء والكآبة ؟ لقد مضى عام ـ عام كامل ـ وها أنتم اليوم تحتفلون بنهاية هذا العام وبداية عام جديد . أخبرنى بالحق هل ترى أى شىء تغير فى ذاك العام المنصرم؟

ونظرت إليها مستفسراً فأكملت فى جدية مؤلمة للنفس : لقد مضى عام . عام كامل ـ وأعوام كثيرة من قبله ـ دونما جدوى من أن يتغير الانسان ويصبح أكثر انسانية لكن للأسف فكل يوم يمر عليه يتدنى أكثر وأكثر فى انسانيته وبدلاً من يسعى جاهداً لاصلاح ذاته فهو على العكس يرى أنه مثالى فوق العادة فأراه يسعى لتقديم التنازلات بكل جرأة .. أراه يسعى لكى يُنقص جمال كل شىء حوله . " أشياء كان يجب نسفها بالكامل مازالت قائمة كصرح مميز للعام الجديد . غابات واشجار وحيوانات نادرة تموت وتندثر وتنقرض . هواء وماء وتربة فى تلوث دائم يومياً بأشكال مختلفة دونما شخص يسأل أو يرحم ... حقوق و قوانين تنتهك بلا خوف أو وجل . كرامات إنسانية تهدر ..

أعراض تهتك .. قوانين الظلم تسود .. قيم و مبادىء تلغى ليحل محلها إباحية وفجور تسأل ولا أحد يجيبك .. تستغيث و ليس هناك منقذ فكأنما العالم أصبح لا يدرى ما يجرى داخله و تسألنى بعد كل هذا لماذا أبكى ؟

إنى أبكى على الإنسان .. ذلك المخلوق العظيم الذى خلقه الله فى أحسن صورة ، ولكنه بجهله وارادته يدمر نفسه ويدمر أخوته ويدمر العالم من حوله دون أن يقف لحظة واحدة الى ذاته ليعيد حساباته و يحاسب نفسه ويقيمها. قالت كلماتها هذه و أنا أقف أمامها مثل المتهم الذى لا يعرف كيف يرد على هذه الأتهامات الموجهة ضده و حاولت أن أرد فلم استطيع .. أما هى فقد تساقطت منها الدموع بسرعة .. و ابتدأت الأصوات تعلو من حولنا استعداداً لكى يطفأ النور للأحتفال بانتهاء العام ، وبداية العام القادم نظرت إليها فلم أرى فيها حياة ..

كانت تلك الكلمات التى قالتها هى حياتها و رسالتها و تركت بعدها الرأى و التصرف الأخير لنا .. ناديتها بكل قوتى لكى تجيب ، و لكن دون جدوى فقد رحلت مع آخر لحظة من العام القديم ، وهى مازالت تشعر بالاكتئاب من تصرفات الإنسان .و تمنيت لو عاشت لترى النور .. نور العام الجديد و ترى كيف سيتغير الإنسان .. ، و لكن دون جدوى .. انهمرت دموعى منى دون ضابط ورحت ابكى بحرارة على تلك البائسة التى عاشت معذبة فى مجتمع لم يدرك قيمتها ..

وأخذت كلماتها إلى ذهنى وغرستها بعمق فى قلبى . وعزمت على أن أعيش حياتى القادمة أداة لتنفيذ كل ما كانت تتمناه تلك الشقية ، ودارت بى الأفكار كيف سأتصرف ورحت أعقد الآمال وأصنع الخطط لتجميع الأصوات و الأشخاص و المسئولين للعمل على تنفيذ مقترحاتها – أن يسود العالم السلام و أن يعمل الكل من أجل حقوق النسان و الحيوان و الطبيعة – هنا و أضاء النور من حولى و تعالت الصيحات فرايتها أمامى و قد فارقتها الحياه كلية ، وتركت كل شىء وبدأت حياتى الجديدة أن أبحث عن أول شىء جيد أفعله فى العام الجديد يثبت إننى مازلت إنسان .. و كانت آخر كلماتى لها ... نامى واطمئنى يا صديقتى ... الشمعة .

ـــــــــــــــــــــ
28/12/2001
- الشمعة قد تشير الى الشخصيات التى لها بصمة فى مجال العمل الرعوى وكذا النواحى المختلفة . دونما استجابة من المحيطين ودون تقدير منهم .
- الشمعة تشير إلى عمل الآباء و الخدام الذي عملوا كثيراً دون استجابة .
- وقد تشير إلى أى شىء آخر قد يراه القارىء ...
- القصة مهداة إلى مثلث الرحمات المتنيح ... الأنبا أغاثون
مطران الإسماعيلية و رئيس دير الأنبا بولا العامر بالبحر الأحمر الذى أضاء بنور فضائله حياتنا لأكثر من ربع قرن

خاتمة الكتاب الثانى

سؤال : هل الشخصيات والأحداث فى هذه القصص حقيقية ؟

+ ان شخصيات هذه القصص ليست من الخيال . ومع ذلك لايمكن اعتبارها من الواقع .

+ وهنا قد يقول قائل بأنه قد تقابل بالفعل مع احدى شخصيات قصة معينة فى حين ينكر آخر وجود مثل تلك الشخصيات فى الواقع . والحقيقة أن كلاهما صادق كل الصدق

+ أما عن الاحداث التى تتناولها القصص فهى واقعية بالنسبة للبعض فى حين يعتبرها آخرون خيالاً . والحقيقة أن الخيال يظل خيالا إلى أن نعيشه أو على الأقل نتلامس معه فحيئذ يصبح واقع بالنسبة لنا ( مثل صعود الانسان إلى القمر ) .

+ والواقع .. أن الغرض الأول من هذه القصص ليس مناقشة ما اذا كانت حقيقية أو خيالية ولكن هو بالأولى محاكاة الشخصيات الايجابية مثل فيكتور وبيشوى والبعد عن سلوك بعض الشخصيات الأخرى غير الممدوحة مثل شخصية الاستاذ صالح ( المجموعة الاولى ) .

+ إن هذه القصص ما هى الا ّ أضواء نسلطها على ( حدث ـ شخصية ـ شىء ـ قضية ـ .... ) بغرض ابراز جمالها او كشف قبحها ... انها مجرد ... دعوة للتأمل .

لا تنسوا أن تذكروا خدمة ملك الملوك للكلمة المكتوبة على مذبح صلواتكم